اليوم.. بينما كنت جالسة على أريكة صالة المنزل، والتلفاز يهمس بصوتٍ خافت، وضوء الشمس الباهت يتسللُ من النافذة ليلف المكان، ورغم ذلك إلا أنني لا اشعرُ بدفئها، هاتفي لا يزال بجانبي. بعد أن أكملت واجبي لتعلم لغةً اجنبية، امتد بصري للحظة نحو شاشة الهاتف، ثم مددت يدي نحوه فوقع نظري على أخبار ارتفاع أسعار الدولار التي ألقت بظلالها وثقلها الموحش على معظم البيوتات. وخصوصاً في هذا الوقت الحرج؛ بداية موسم الدراسة ومتطلبات طفل اليوم التي تحولت فيها الكماليات البسيطة إلى التزامات لا غنى عنها في نظره.
ووسط هذا الركود، والأخبار البائسة خرجت من التطبيقات ودخلت على تطبيق واتساب، فظهرت لي حالة زميلتي السابقة؛ دعوة لحضور محاضرة لشرح نهج البلاغة ذلك الدرس الأحب إلى قلبي، والذي حالت مسافات البعد بيني وبينه في الفترة الأخيرة لحضوره، كتبتُ لها بلهفة: "هنيئاً لكم" فجاءني الرد سريعاً محاط بالاشتياق ودفء الذكريات؛ تذكرتُ حينها أن أهنئها على ظهورها اللطيف واللقاء الرائع في إحدى القنوات التلفزيونية، حيث كان محور الحلقة يدور حول "ثقافة الاستهلاك" في الآونة الأخيرة لقد فصلت الموضوع بسلاسة ووعي، وعرّجت على نقاط عميقة استقرت في طيات روحي وددت أن أشكرها عليها.
وهنا أستطيع أن اسمي أبرز ما ذكرته بصدمة الإفلاس المبكر، إذ أنها وقفت في حديثها، على تلك الفكرة العملية الجريئة المعروفة حول المسؤولية المادية لدى الطفل. وقالت:
لابُد على الأهل أن يتبعوا هذه الخطوة؛ أن يعطوا طفلهم مبلغاً معيناً كمصروف أسبوعي، وعليه وحده أن يتصرف به طوال الأسبوع. بهذه الطريقة البسيطة، يتعلم الطفل مهارة الادخار، وتجنب الصرف المفرط، والتوازن في تلبية رغباته.
وأضافت بتأمل واقعي:
نعم، سيصرف الطفل المبلغ كله في اليوم الأول أو الثاني، ولكن.. عندما يرى نفسه قد أفلس، وعليه أن يقضي بقية الأيام خاوي الوفاض بلا مصروف، سيعيد حساباته وينظم جدولاً يسير عليه. مرة بعد مرة، سيتعلم الادخار والتدبير بشكل مدهش.
امتد بنا الحوار بعدها طويلاً، ليلامس مرارة المعيشة وصعوبتها اليومية، وكيف بات لزاماً على الإنسان أن يبذل أضعاف جهده ليمسك بزمام أمور حياته. فكل شيء اليوم يُشترى بالأموال، والكماليات التي استسهلناها بالأمس أصبحت حاجات ملحة اليوم.
وفي ظل هذا المخاض العسير من ارتفاع الدولار، وطلبات أطفالنا الذين اعتادوا البذخ، نتفاجأ بأموال طائلة تُهدر على تفاصيل بسيطة لا قيمة لها. وهنا تكمن المعضلة الأكبر؛ ألا وهي تعويد النشء على الصرف المتوازن، وتقبل حقيقة أن يمر الأبواَن بأزمة مادية عابرة.
لكن الصدمة الحقيقية تكمن في الجيل الجديد.. لقد أصبحنا نسمع من بعضهم عبارات صادمة لم تكن تخطر على بال: إذا لم يكن والدينا قادرين على إعالتنا بالشكل المطلوب، فهم غير مجبورين على مجيئنا إلى هذه الحياة!!
هكذا أصبح الفكر والحديث يتدفق بين بعضهم! والسبب الجذري؟ كثرة الدلال، والتعويد على الإنفاق المفرط بلا قيود، سواء أكانت قدرة الوالدين المالية تحتمل أم كانت تئن تحت وطأة الديون.
لذا، أصبح واجباً حتمياً على الأبوين تدارك هذا الخلل؛ أن يربوا أبناءهم على ثقافة القبول، والرضا، والشكر، والامتنان في السراء والضراء، حتى وإن كانوا من الميسورين. فمن لا يتعلم كيف يعبر عواصف الضيق المادية، سيقف يوماً في وجه أقرب الناس إليه بتمرد حاد ومواجهة قاسية.
وهنا.. وسط تداخل الأفكار في رأسي، وضجيج شاشة الهاتف بأخبار الأزمات، أدركتُ الحقيقة المرة نحن لا نربي أطفالنا لنتركهم رهائن لرفاهية زائفة، بل لنصنع منهم رجالاً ونساءً يملكون مهارة النجاة. إن حماية أبنائنا الحقيقية لا تكمن في تلبية كل رغبة عابرة، بل في إطعام أرواحهم بقيمة الرضا وتدريب أيديهم على إدارة القليل قبل الكثير. فالأزمات راحلة لا محالة، والدولار هابط أو مرتفع لا يدوم، لكن الإنسان الذي يُبنى على الصبر والوعي، هو وحده من يستطيع التجاوز بالرضا والقبول وهو الذي لا يسقط أبداً حين تشتد الرياح.








اضافةتعليق
التعليقات