في حياتنا أشخاص لا يكون حضورهم عابرًا. يدخلون أيامنا بهدوء، ثم يصبحون جزءًا من تفاصيلنا الصغيرة: حديث المساء، الضحكة العفوية، والإحساس بالأمان الذي لا ننتبه إليه إلا حين يغيب. نبني معهم علاقات قوية، صداقة كانت أو حبًا، ونعتقد—بحسن نية—أن ما تأسّس بصدق لا يمكن أن يتغيّر.
لكن العلاقات، مثل البشر، ليست ثابتة. يمرّ الوقت، ونتغيّر. ننمو بطرق مختلفة، تتبدّل أولوياتنا، أو نتعب دون أن نعرف كيف نشرح ذلك. أحيانًا لا يكون هناك شجار أو خيانة، بل صمت طال أكثر مما يجب، أو اهتمام خفّ تدريجيًا، أو اعتياد حلّ مكان الشغف. نلتقي بذات الوجوه، نسمع الأصوات نفسها، نرى الضحكات ذاتها، لكن نشعر بفراغ لا يُفسَّر. الروح التي عرفناها لم تعد هنا، أو ربما تغيّرت إلى حدّ لم نعد نعرفه.
هذا التحوّل لا يعني بالضرورة أن أحدًا كان مخطئًا. كثير من العلاقات تنتهي بسبب النمو غير المتزامن، أو الخوف من المواجهة، أو لأن أحد الطرفين لم يعد قادرًا على الاستمرار كما كان. الانسحاب في هذه الحالات لا يكون قلة تقدير دائمًا، بل أحيانًا عجزًا عن البقاء.
وهنا يقف الإنسان أمام سؤال مؤلم: هل أتمسّك أم أترك؟
إن كنت من يريد المغادرة، فالوضوح مسؤولية أخلاقية. الرحيل الغامض يترك ألمًا أطول من الحقيقة. الصدق موجع، نعم، لكنه أقصر طريق للتعافي.
وإن كنت من يتمسّك، فتوقّف لحظة واسأل نفسك بصدق: هل أتمسّك بالشخص أم بالذكريات؟ هل أحاول إنقاذ علاقة حيّة أم أرفض الاعتراف بأنها انتهت؟ التمسّك بمن لا يريد البقاء لا يُسمّى وفاءً، بل استنزافًا للنفس.
الحزن في هذه المواقف طبيعي. الشعور بالفراغ، والحنين، وحتى الشك بالنفس، كلها مشاعر إنسانية. ما ليس صحيًا هو أن تُحمّل نفسك ذنب نهاية لم تكن بيدك. ليس كل من يغادر يقلّل من قيمتك، وليس كل نهاية فشلًا منك. بعض الأشخاص يأتون ليكونوا فصلًا في حياتك، لا كتابًا كاملًا. يعلّمونك شيئًا عن الحب، عن نفسك، ثم يكملون طريقهم.
وحين تلتقي يومًا بمن كنت تعرفه جيدًا، وتشعر أنه لم يعد كما كان، لا تحتاج إلى عتاب طويل ولا تفسير مرهق. يكفي اعتراف هادئ بالحقيقة: كان قريبًا جدًا، وكان يومًا عزيزًا جدًا، لكن الآن أصبح غريبًا، لأن جوهره وحاضره تغيّرا.
مرحبًا أيها الغريب. ليست قسوة، بل نضج. وليست خسارة، بل بداية أخفّ، وأكثر وعيًا بما تستحقه.








اضافةتعليق
التعليقات