كانت خُطايَ أثقلَ من جَسدي، جئتُ أحبو بمشاعري التي سبقتْ بَدني بمسافات، وقدماي تتخبطانِ على الإسفلتِ الساخن. في تلك اللحظة تجلّت فلسفة الاشتياق في أعمق صورها إنها الاستسلامُ التام لعاصفةِ الحنين، حيث يفقدُ العاقلُ عقله، ويصبحُ الوجعُ هو الدليلَ الوحيدَ إلى النور.
كان حولي مِئاتُ الزائرين، لكنني كنتُ أحملُ شعوراً غريباً، سرّاً مكنوناً لا يستطيعُ كلُّ زائرٍ أن يشعرَ به؛ شعورَ المحرومِ الذي طالَ سجنُه خلفَ قضبانِ المسافات، فجاءَ اليومُ ليعاتبَ الجفاءَ وبلاءَ البُعد، وذاك الحنينَ الشرسَ الذي نهشَ داخله لأيامٍ أعدها قلبي سنينٌ طوال. انكببتُ على ركبتيَّ فجأة، لم تَعُدْ قَدمايَ تقويانِ على حَملِ هذا الإعصارِ العاطفي. سقطتُ كعاشقٍ غلبهُ الوجد، فاتسختْ عباءتي بترابِ أرضه؛ ولم يكن تراباً، بل كان كُحلاً لعينِ روحي المجهدة. جئتُ مستكيناً عندَ بابِ قبلته، قِبلة العشّاق الذين أضناهمُ الهجر أمثالي، فصارَ الترابُ عندهم أغلى من التِبر .
ثم تحاملتُ على انكساري وقادتني الدموعُ لأدخلَ من "باب العلقمي" آهٍ من هذا الباب! باب العطاشى، والظامئين الذين جفّت عروقُ أرواحهم وأيقنوا أنهم لا يرتوون ولا يبرأون إلا بماءِ الحنانِ المتدفّقِ من كفّي "أبا الفضل" هناك جفّت في حلقي الكلمات فجلستُ على حافةِ الطريقِ مكسورَة الخاطر، إذ وجدتُ الصحنَ مغلقاً في تلك اللحظة، فبزغَ العتابُ من مَكامنِ الصدر، وبدأتِ الدموعُ تتسابقُ وتنهالُ دونَ إذن كأنها خيولٌ جامحةٌ أُطلِقَ سَراحُها بعدَ أسرٍ طال انتظاره فعلى مثلُ عينيّ اللاتي لم يعتدنَ الجفاء بل سلوتهن الدموع، الأيامُ سنين واللحظات أيام في تلك اللحظة من شدةِ انهمار الدموع منها، غامتِ الرؤيةُ تماماً، فبدأتُ أتحدثُ مع دموعي بمرارةٍ لاهثة وأهمسُ لها بافتجاع: "كفّي عني.. أرجوكِ كفّي! دعيني لثوانٍ فقط أريدُ أن أتمعّن، أن أتمتّعَ برؤيةِ تفاصيلِ القبةِ الذهبِية، والمناراتِ الشامخة والنقوشِ العتيقة، وكلِّ ما يخصُّ حضرةَ معشوقي.. دعيني أملأُ عينيَّ به فقد كادَ العمى يدركني في غيابه!"
كنتُ أمسحُ الدموعَ بكفّي المرتجفةِ بعجلةٍ وعفوية، ولكن دونَ جدوى كانت تتسابقُ وتزدادُ هطولاً كأنها تعاندني وفي غمرةِ ذلك الشجنِ المُر، غابَ عن بالي سرٌّ خطير: غابَ عني أنَّ هذه الدموعَ مشتاقةٌ أيضاً! لم تكن تعاندني، بل كانت تسبقني متلهفةً لكي تنزلَ في حضرتهم الشريفة، وتترفَع وتتباركُ بملامسةِ ذلك الترابِ المقدّس، فكانتْ تبكي حُبّاً، وتجري شوقاً، وتغسلُ بدموعِ العشقِ وجعَ الأيام .
وفي ختام هذا الطواف الروحي، تجلت حقيقةٌ كبرى كأن جدران الصحن الشريف تهمسُ بها: إنَّ قُربَ الحسين (عليه السلام) والامتزاج بأنفاس كربلاء هو نعمةٌ إلهية عظيمة جنّةٌ معجّلة على الأرض لا يشعرُ بحجم امتدادها وعمق دفئها إلا من ذاق مرارة فَقْدِها، وناهضه بلاء البُعد الشرس. فكم من محرومٍ خلف البحار والمسافات يقطع أحشاءه الشوق لِلَمْحَةٍ من القبة الشريفة، وكم من مغتربٍ يبيع عمره ليجلس جلسة المستكين على حافة ذلك الطريق!
إنَّ هذه الأقدام التي تخطت الصعاب لتصل وهذه الأعين التي تكحلت برؤية المنارات لَتغرقُ في بحرٍ من الآلاء التي تستوجب الشكر كل لحظة .
فالشكر هنا ليس مجرد كلماتٍ تُقال بل هو دمعة امتنان تصون هذه النعمة من الزوال، واستشعارٌ دائم لعظيم الفضل الإلهي الذي اختارنا لنكون في زمرة الزائرين والعاشقين. فلْنلهجْ بحمدِ مَن أدخلنا بابه ولْنحافظْ على طهارة هذا العشق بالشكر والثناء كَيلا نكون من المحرومين الذين تنأى بهم المسافات بعد القرب، فبالشكر تدوم النعم، وبتعظيم الوجد تتصل الأرواح بالحضرة المقدسة إلى الأبد.








اضافةتعليق
التعليقات