• الرئيسية
  • كل المواضيع
  • الاتصال بنا
facebook twitter instagram telegram
بشرى حياة
☰
  • اسلاميات
  • حقوق
  • علاقات زوجية
  • تطوير
  • ثقافة
  • اعلام
  • منوعات
  • صحة وعلوم
  • تربية
  • خواطر

الفجر الهاشمي: من سر العرش إلى طينة الأرض

هدى المفرجي / الأحد 30 آب 2026 / ثقافة / 501
شارك الموضوع :

كان يبتسم فتورق القلوب الميتة، ويقضي بالعدل فتتساقط أقنعة الجبابرة، كأنما خُلق ليكون الجسر الأوحد بين ترابيتنا الفانية وأبدية الخالق

في ليلةٍ انخلعت لها أطراف الضباب، وانشق فيها السكون عن هبة نورٍ أربكت العتمة، لم يكن وليدُ مكة مجردَ نَفسٍ يضاف إلى سِجل التراب، بل كان انسياب الروح الأولى وهي ترتدي ثوب الجسد.

​يقفُ الصادقُ جعفر بن محمد (عليه السلام) مستنفراً أسرار الغيب، ليرسم بلسانه تلك اللحظة التي تزلزلت فيها قواعد الوجود، فيقول في رائع حديثه عن بدء هذا الخَلق: "إنّ اللهَ تباركَ وتعالى خَلَقَنا من نورِ عظَمَتِه، ثمّ صَوَّرَ خَلْقَنا من طينَةٍ مَخزُونَةٍ مَكنُونَةٍ من تَحتِ العَرش، فأَسكَنَ ذلكَ النُّورَ فيها، فكنا نحن خلقا وبشرا نورانيين، لم يجعل لأحد في مثل الذي خلقنا منه نصيبا..."

فتأمل كيف يسفرُ الوجود عن سره، فلم تبدأ حكاية أحمد من صرخة مهدٍ في أزقة بطحاء مكة، بل بدأت هناك، في الخفاء الأعظم، حيث كان نُوراً يسبق الزمن، يتقلبُ في أصلاب الشموس، ويعبر صُلب الأنبياءِ كشُعاعٍ لا يُسترق، حتى استقر في أحشاءِ آمنة، فلم تكن ذات حملاً كأحمال النساء، فقد استراح في أحشائها سر الكون،​وفي تلك الليلة الموعودة، حين أطل الفجرُ الهاشمي، لم تُفتح الأبواب كعادتها، بل انشقت ستائر العوالم.

ويروي أهلُ البيتِ عليهم السلام كيف تهاوت أصنامُ العالم على وجوهها صريعة، كأن قوة خفية اقتلعت كبرياءها المزيف، وكيف انسربت النيران المعبودة في بلاد فارس وغارت مياه كانت تجري منذ الدهور، لأن النور الحق قد أضاء، فلا شعلة تعلو فوق شمسِ محمد صلى الله عليه وآله، ولا نبع يروي الروح إلا كوثره،​ لقد ولد يتيماً في الظاهر، لكنه كان أباً لأرواح الخلائق أجمعين، طفل خر ساجداً لحظة خروجه إلى الدنيا، رافعاً سبابته نحو السماء، كأنما كان يُعيد ترتيب الجهات، ويخبر الأرض الثكلى بأن عهد الصمت قد انتهى، وأن فجر التوحيد قد انبثق من قلب العتمة.

​هو ليس مجرد ذكرى تُستعاد، إنه في كل ربيعٍ يُولد فينا من جديد، هو النور الذي تحدث عنه آلُ بيته عليهم السلام، نبعٌ مخزون تحت العرش، تسلل إلى طينتنا الركيكة، فجعل فيها قبساً من سمو، وشيئاً من خلود، ولم يكن ذلكم النور الساطع في أصلابِ التاريخ مجردَ حدث يُؤرخ، بل كان انبعاجاً في رتابةِ الكائن، وافتتاحاً لموسمِ الكشف.

و​ينقلُ عن الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وهو يصفُ ذلك النقاء الأولي وصنيع الله في حبيبه: "وَ لَقَدْ قَرَنَ اَللَّهُ بِهِ مِن لَدُن كَانَ فَطِيماً أَعْظَمَ مَلَكٍ مِن مَلاَئِكَتِهِ يَسلُكُ بِهِ طَرِيقَ اَلْمَكَارِمِ وَمَحَاسِنَ أَخْلاَقِ اَلْعَالَمِ لَيْلَهُ وَ نَهَارَهُ وَ لَقَدْ كُنْتُ مَعَهُ أَتَّبِعُهُ اِتِّبَاعَ اَلْفَصِيلِ أَثَرَ أُمِّهِ يَرْفَعُ لِي فِي كُلِّ يَوْمٍ عَلَماً مِنْ أَخْلاَقِهِ وَ يَأْمُرُنِي بِالاِقْتِدَاءِ بِهِ وَ لَقَدْ كَانَ يُجَاوِرُ فِي كُلِّ سَنَةٍ بِحِرَاءَ فَأَرَاهُ وَ لاَ يَرَاهُ غَيرِي ..."

​تأمّل كيف أدارت السماءُ مدارات الرحمة، لم يترك الوجود للصدفة العابرة، بل رافقته المعية الإلهية منذ خفقة قلبه الأولى برحيقِ الملكوت، حتى نبتت حواسه على مبادئ الفضيلة، واغتسلت روحه في ينابيعِ العزيمة، كان يمشي في جفاف البطحاء، فتُزهر الحصى تحت قدميه، وتُظلله الغمامة حيثما اعترج، لا لأن السحاب يطيعه بل لأن النور الذي يحمله في أحشائه كان يحرج خجل الشمس في العلياء، وحين اكتملت الدورةُ، وانشق حجاب الغار عن "اقرأ"، لم يتنزل القرآن على كاهله ككلمات تُحفظ، بل كدم دافقٍ يسري في عروق الوجود، غدا يمشي بين الناس مصحفاً ناطقاً، يسعُ بعطفه من جحدوه، ويطوي ببردته خوف المستضعفين.

كان يبتسم فتورق القلوب الميتة، ويقضي بالعدل فتتساقط أقنعة الجبابرة، كأنما خُلق ليكون الجسر الأوحد بين ترابيتنا الفانية وأبدية الخالق، ​ولأن آل البيت هم خزان هذا السر، وأوعية ذلك النور، فقد ظلوا يذكرون الأمة بأن محمداً ليس ماضياً طواه الجفاف، بل هو نبعٌ يتجدد في كل استضاءة عقل، وفي كل رمشة حُب، وفي كل ثورةٍ على الظلم، فإن ميلاد أحمد هو ميلاد الإنسانِ في أبهى تجلياته، لحظةٌ التقت فيها طينةُ الأرض بقدسية العرش، فصار البشر لأول مرة في التاريخ قادرين على أن يلمسوا السماء بأفئدتهم، ويستنشقوا العطر الإلهي في صورةِ رجل، فاللهم صل على محمد وآل محمد .

النبي محمد
الاخلاق
القيم
الاسلام
الدين
شارك الموضوع :

اضافةتعليق

    تمت الاضافة بنجاح

    التعليقات

    آخر الإضافات للكاتب (ة):

    لماذا تهرب الزوجات من "الاختصار الذكوري" إلى أحضان الذكاء الاصطناعي؟

    لماذا تهرب الزوجات من "الاختصار الذكوري" إلى أحضان الذكاء الاصطناعي؟

    الأحد 01 تشرين الثاني 2026/
    تصوير الروتين اليومي: وهم النظام المطلق

    تصوير الروتين اليومي: وهم النظام المطلق

    السبت 10 تشرين الاول 2026/
    في اليوم العالمي للاعنف: من جراح الجسد إلى انكسار الروح

    في اليوم العالمي للاعنف: من جراح الجسد إلى انكسار الروح

    السبت 03 تشرين الاول 2026/
    السيدة الزهراء.. نورٌ من الملكوت وصوتٌ للحق

    السيدة الزهراء.. نورٌ من الملكوت وصوتٌ للحق

    الأثنين 21 ايلول 2026/
    جمعية المودة والازدهار للتنمية النسوية تواصل نشاطات نادي ريحانة للفتيات

    جمعية المودة والازدهار للتنمية النسوية تواصل نشاطات نادي ريحانة للفتيات

    الخميس 17 ايلول 2026/
    رحلة الحنين للماضي: حين تُعيدنا الخوارزميات إلى دفئ الأمس

    رحلة الحنين للماضي: حين تُعيدنا الخوارزميات إلى دفئ الأمس

    الأحد 13 ايلول 2026/

    آخر الاضافات

    الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ.. وَحْدَةُ الْعُنْوَانِ وَتَعَدُّدُ الْجَزَاءِ (٢)

    بين المصعد والسلالم… اختيار يومي يصنع فرقًا

    كيف نتعامل مع الكمالية؟

    بعد النجاة من سرطان الثدي.. نساء يحوّلن الألم إلى قصص نجاح وإلهام

    لماذا تهرب الزوجات من "الاختصار الذكوري" إلى أحضان الذكاء الاصطناعي؟

    الصاحب ساحب... حين تصنع الصداقة مصير الإنسان

    التعلّم النشط: أساليب تصنع المشاركة والإبداع

    هل تكشف ملامح الوجه عن نقص الحديد في الجسم؟

    آخر القراءات

    امضِ قدما نحو سلم النجاح

    النشر : السبت 08 نيسان 2017
    اخر قراءة : منذ 36 دقيقة

    الشخص العدواني: كيف يمكن أن نتعامل مع سلبية هذه الشخصية؟

    النشر : الثلاثاء 30 تشرين الثاني 2021
    اخر قراءة : منذ 37 دقيقة

    إملأ الفراغات التالية...

    النشر : الثلاثاء 02 نيسان 2019
    اخر قراءة : منذ 37 دقيقة

    ما هي كمية الخبز المسموح بتناولها يوميا؟

    النشر : الثلاثاء 12 ايلول 2023
    اخر قراءة : منذ 37 دقيقة

    نصائح لإدارة الوقت بشكل منظم وفعال

    النشر : السبت 21 آيار 2022
    اخر قراءة : منذ 37 دقيقة

    أهم النشاطات التي تزيد من قدرات طفلك العقلية

    النشر : الأحد 02 كانون الثاني 2022
    اخر قراءة : منذ 37 دقيقة

    الأكثر قراءة

    • اسبوع
    • شهر

    من يملك وقتك؟

    • 532 مشاهدات

    المرأة وصناعة الأثر.. الزهراء عليها السلام نموذجًا

    • 492 مشاهدات

    تورّم القدمين وانتفاخ الجسم.. متى يصبح احتباس السوائل مؤشراً للخطر؟

    • 333 مشاهدات

    السيدة الزهراء.. الشاهد الأول والضحية الأولى لأحداث السقيفة

    • 330 مشاهدات

    السيدة الزهراء والأحكام الإلهية… حين يكون الامتثال يقينًا بالحكمة

    • 329 مشاهدات

    السيدة الزهراء.. رائدة الثورة وشهيدة الولاية

    • 324 مشاهدات

    الفضاء الرقمي وسؤال الأثر: بين الانسياق العابر وتصنيع القيمة

    • 1573 مشاهدات

    في ذكرى ولادتها المباركة: السيدة زينب منارة الصبر ورسالة الوعي المعاصر

    • 1173 مشاهدات

    من ينقذ المسعف؟

    • 1027 مشاهدات

    الجرح الذي لا يبرأ: الأبعاد الفكرية والتأسيسية لشهادة الصديقة الكبرى وتوصيات للشباب

    • 801 مشاهدات

    في أكتوبر الوردي… الوعي خطوة نحو الحياة

    • 719 مشاهدات

    تحت شعار نقرأ لنرتقي.. جمعية المودة تقيم أمسية ثقافية بالذكرى العاشرة لتأسيس نادي أصدقاء الكتاب

    • 554 مشاهدات

    facebook

    Tweets
    صفحة للمرآة العربية تهتم بالفكر والثقافة والصحة والعلم

    الأبواب

    • اسلاميات
    • حقوق
    • علاقات زوجية
    • تطوير
    • ثقافة
    • اعلام
    • منوعات
    • صحة وعلوم
    • تربية
    • خواطر

    اهم المواضيع

    الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ.. وَحْدَةُ الْعُنْوَانِ وَتَعَدُّدُ الْجَزَاءِ (٢)
    • منذ 6 ساعة
    بين المصعد والسلالم… اختيار يومي يصنع فرقًا
    • منذ 6 ساعة
    كيف نتعامل مع الكمالية؟
    • منذ 6 ساعة
    بعد النجاة من سرطان الثدي.. نساء يحوّلن الألم إلى قصص نجاح وإلهام
    • منذ 6 ساعة

    0

    المشاهدات

    0

    المواضيع

    اخر الاضافات
    راسلونا
    Copyrights © 1999 All Rights Reserved by annabaa @ 2026
    2026 @ بشرى حياة