لم تكن الأحكام الشرعية في رؤية السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام أوامرَ منفصلةً عن حياة الإنسان، ولا تكاليفَ يُراد منها أن تثقل كاهله، بل كانت منظومة إلهية متكاملة، تتجلى فيها حكمة الخالق في تهذيب النفس، وإصلاح المجتمع، وصيانة الحقوق، وإقامة العدل بين الناس. ومن هنا، فإن الحديث عن موقف الزهراء عليها السلام من التشريع لا ينفصل عن إيمانها العميق بأن الله سبحانه، وهو العليم بما يصلح عباده، لا يشرّع حكمًا عبثًا، ولا يضع تكليفًا من دون غاية وحكمة.
في خطبتها الفدكية، لا تكتفي السيدة الزهراء عليها السلام بذكر الأحكام الشرعية، بل تكشف عن فلسفتها ومقاصدها، وتربط بين العبادة وأثرها في بناء الإنسان، وبين التشريع وانعكاساته على المجتمع. فتقول في بيان حكم التشريع: «فجعل الله الإيمان تطهيرًا لكم من الشرك»، و**«والصلاة تنزيهًا لكم عن الكبر»، و«والزكاة تزكيةً للنفس ونماءً في الرزق»، و«والصيام تثبيتًا للإخلاص»، و«والحج تشييدًا للدين»، و«والعدل تنسيقًا للقلوب»، و«وطاعتنا نظامًا للملة»**.
إنها كلمات موجزة، لكنها تفتح أبوابًا واسعة لفهم الحكمة من الأحكام؛ فالإيمان ليس مجرد اعتقاد يُختزن في القلب، بل تطهير من الشرك وما يتصل به من انحراف في التصور والعبودية، والصلاة ليست حركات تؤدّى فحسب، بل تربية للنفس على الخضوع لله ومقاومة الكبر الذي يفسد علاقة الإنسان بربه وبالآخرين. والزكاة ليست إخراج جزء من المال وحسب، وإنما تزكية للنفس من الشح، وتطهير للمال، وإسهام في بناء التكافل بين أفراد المجتمع.
أما الصيام، فتصفه الزهراء عليها السلام بأنه «تثبيتًا للإخلاص»، لما ينطوي عليه من إمساك عن الشهوات في خلوة الإنسان قبل جلوته، فلا يكون امتناعه عن الطعام والشراب متعلقًا بنظر الناس إليه، بل بصلته بالله ومراقبته له. وفي الحج، تتجلى وحدة الأمة الإسلامية واجتماع أبنائها على عبادة واحدة، بما يتيح لهم التعارف والتواصل واستشعار الانتماء إلى جماعة تتجاوز الحدود الجغرافية والفوارق الاجتماعية.
ومن هذه النماذج يتضح أن الزهراء عليها السلام تنظر إلى التشريع بوصفه بناءً متكاملًا، تتساند فيه العبادات والأخلاق والمصالح الاجتماعية. فكل حكم يترك أثره في النفس، وكل عبادة تحمل غاية تربوية، وكل تكليف يفتح أمام الإنسان بابًا من أبواب الكمال متى أدّاه بوعي وإخلاص. وهذا الفهم يكشف عن يقينها بحكمة الله تعالى، فالأحكام ليست عبثًا، ولا هي أوامر خالية من المعنى، وإنما هي جزء من تدبير إلهي يعلم ما يصلح الإنسان في ظاهره وباطنه.
ولعل من أعمق ما ورد في خطبتها عليها السلام قولها: «والعدل تنسيقًا للقلوب»؛ إذ تجعل العدل أساسًا لانسجام العلاقات الإنسانية، لا مجرد صفة تقتصر على الحاكم أو القاضي. فالعدل، كما توضحه الصفحات التي بين أيدينا، يشمل علاقة الإنسان بنفسه وزوجه وأسرته ومجتمعه، وهو الذي ينظم القلوب كما ينتظم خرز السبحة بالخيط، فإذا انقطع الخيط تفرقت حباتها، وإذا غاب العدل تفرقت القلوب وحلّ التنافر والتباعد والتقاطع محل الانسجام.
وهنا تتجلى سعة الرؤية الزهرائية؛ فالعدل ليس شعارًا يُرفع عند الخصومة، ولا مطلبًا يُستدعى حين تتعارض المصالح، بل مبدأ ينبغي أن يحكم العلاقات جميعًا. وهو ما يجعل الإيمان بعدالة الله تعالى مسؤوليةً أخلاقية أيضًا، تدعو الإنسان إلى أن يتحرى الإنصاف، وألا يحكم على الأحكام أو أصحابها من خلال الانطباعات وحدها، وأن يطلب الحقيقة بعيدًا عن الهوى والتعصب.
وفي قولها عليها السلام: «وطاعتنا نظامًا للملة»، تبرز رؤيتها لضرورة وجود نظام يحفظ استقامة الأمة وينظم شؤونها، في إطار المرجعية التي تقررها العقيدة الإسلامية. فالمجتمع لا يستقيم بالفوضى، ولا يمكن أن تستقر علاقاته من دون ضوابط تحكم الحقوق والواجبات. والنظام الصالح، حين يقوم على الحق والعدل، يكون سبيلًا إلى الإصلاح، أما إذا غابت عنه العدالة، فإنه يتحول إلى سبب للتنافر والفساد.
إن هذا المنهج في فهم الأحكام يضعنا أمام سؤال مهم: كيف نتعامل اليوم مع التشريعات ذات المرجعية الدينية، في وقت تتصاعد فيه الاعتراضات حول القانون الجعفري وتثار بشأنه نقاشات واسعة؟
إن القانون الجعفري يستند، في مرجعيته الدينية، إلى الفقه الجعفري المستمد من القرآن الكريم وسنة النبي صلى الله عليه وآله وتعاليم أهل البيت عليهم السلام؛ ومن ثم فإن مناقشته لا ينبغي أن تنطلق من افتراض أنه مجرد تشريع بشري منفصل عن الدين. غير أن الإنصاف يقتضي أيضًا التمييز بين الحكم الشرعي، والاجتهاد الفقهي الذي يستنبطه، والصياغة القانونية التي تنظّم تطبيقه في الواقع؛ فليس كل نص قانوني هو نص إلهي مباشر، كما أن مناقشة مادة قانونية أو السؤال عن آثارها لا يعني بالضرورة الاعتراض على حكم الله تعالى.
ومن هنا، فإن الموقف المتوازن لا يقوم على رفض القانون لمجرد ارتباطه بمرجعية دينية، ولا على إغلاق باب النقاش في مواده وآليات تطبيقه، بل على فهم أساسه الشرعي، والرجوع إلى المختصين في تفسير أحكامه، ومناقشة ما يثار حوله بالأدلة والمعرفة.
إن اليقين بحكمة الله وعدالته لا يتعارض مع السعي إلى فهم الأحكام، بل يمنح هذا السعي غايته الأخلاقية. فإذا كانت الزهراء عليها السلام قد ربطت الصلاة بتهذيب النفس، والزكاة بتزكيتها، والصيام بالإخلاص، والعدل بتنسيق القلوب، فإنها تعلمنا أن التشريع لا يُفهم بمعزل عن مقاصده، وأن الحديث عن أحكام الدين ينبغي أن يستحضر ما ترمي إليه من إصلاح الإنسان وصيانة المجتمع.
وليس الاقتداء بالزهراء عليها السلام أن نردد كلماتها فحسب، بل أن نتأمل المعاني التي حملتها، ونستحضر يقينها بحكمة الله في مواقفنا وأسئلتنا. فالتسليم لله لا يعني تعطيل العقل، كما أن السؤال لا يعني التمرد على الحق؛ وإنما يكون الوعي في أن نبحث عن الحقيقة بعقل منصف وقلب مؤمن، وأن نفرّق بين قدسية الشريعة والاجتهاد البشري في فهمها وتطبيقها.
وهكذا تضعنا الخطبة الفدكية أمام رؤية متكاملة: إيمان يطهّر، وصلاة تهذّب، وزكاة تزكّي، وصيام يرسّخ الإخلاص، وحجّ يشيد أواصر الدين، وعدل ينسّق القلوب، ومرجعية تحفظ نظام الأمة. إنها رؤية تؤكد أن الأحكام الإلهية ليست منفصلة عن حياة الإنسان، بل تستهدف بناء حياة أكثر استقامةً وتوازنًا وعدلًا، وأن الثقة بحكمة الله تعالى ينبغي أن تنعكس على سلوكنا، وعلى طريقة حوارنا، وعلى قدرتنا على طلب الحق وإنصاف الآخرين.
ففي مدرسة الزهراء عليها السلام، لا يكون الامتثال مجرد أداء للتكليف، بل وعيًا بحكمته، ولا يكون اليقين بعدالة الله مجرد اعتقاد، بل أساسًا ننطلق منه لفهم التشريع، وصيانة الحقوق، وإقامة العدل، وحفظ كرامة الإنسان.








اضافةتعليق
التعليقات