ليست كل الأشياء التي تستولي على وقتنا مهمة، وليست كل الأشياء التي نكررها جديرة فعلاً بكل ذلك الاهتمام. ومع ذلك، نجد أنفسنا أحياناً نعود إلى الفعل نفسه دون حاجة حقيقية إليه، وكأن هناك شيئاً خفياً يدفعنا إلى التكرار. نفتح الهاتف بلا هدف، نتنقل بين الشاشات، نتابع ما لا يهمنا، ثم نعد أنفسنا بأننا سنتوقف بعد دقائق. لكن الدقائق تمضي، ونجد أنفسنا ما زلنا هناك.
ربما تبدو « لعبة لغز الأسهم» (Arrows Puzzle) مثالاً صغيراً على هذه الظاهرة. لعبة بسيطة لا تقدم لنا، في ظاهر الأمر، أكثر من لغز ينبغي حله: أسهم ومسارات ومحاولات متكررة للوصول إلى ترتيب صحيح. لا نتيجة عملية تترتب على الفوز، ولا منفعة مادية تنتظرنا في النهاية. ومع ذلك، يصعب أحياناً أن نغلقها بعد محاولة واحدة.
وهنا تكمن المسألة التي تتجاوز اللعبة نفسها.
لماذا نستمر في فعل شيء لا نحتاج إليه؟
الإنسان لا تحركه المنفعة وحدها. هناك رغبة أعمق في إكمال الناقص، وحل المربك، والانتصار على العقبة الصغيرة. عندما نرى لغزاً أمامنا، يتولد في داخلنا ميل طبيعي إلى ترتيب عناصره والوصول إلى الإجابة. وكلما اقتربنا من الحل، أصبح التراجع أصعب قليلاً؛ لأننا نشعر أننا قطعنا جزءاً من الطريق، ولم يبقَ إلا القليل.
ومن هنا يبدأ ذلك الحوار الصامت داخل الإنسان: «محاولة أخيرة».
لكن المحاولة الأخيرة نادراً ما تكون الأخيرة.
نحل اللغز، فنشعر برضا عابر. ثم يظهر تحدٍّ جديد. لا نكون قد حصلنا على شيء يمكن الاحتفاظ به، لكننا حصلنا على إحساس صغير بالإنجاز. وهذا الإحساس، مهما كان بسيطاً، يكفي أحياناً لدفعنا إلى الاستمرار.
الأمر اللافت أن اللعبة لا تحتاج إلى أن تأمرنا بالبقاء. إنها تجعل البقاء يبدو وكأنه اختيارنا الشخصي.
وهذه الفكرة تحديداً تستحق التأمل؛ لأن عالمنا المعاصر أصبح بارعاً في جذب الانتباه دون أن نشعر بذلك. لم تعد المنافسة الكبرى على ما نملك من أموال أو ممتلكات فحسب، بل على شيء أكثر دقة: الوقت الذي نمنحه لأشياء أخرى.
نحن نعيش وسط سيل متواصل من التنبيهات والمحتويات والمقاطع والرسائل والاقتراحات. كل شيء تقريباً مصمم ليكون الخطوة التالية جاهزة قبل أن ننتهي من الخطوة الحالية. لا فراغ طويلاً بين مقطع وآخر، ولا حاجة إلى البحث عن شيء جديد؛ فالجديد ينتظرنا أصلاً.
وبمرور الوقت، قد نعتاد هذا الإيقاع حتى يصبح الصمت غريباً، والانتظار مزعجاً، والملل شيئاً ينبغي التخلص منه فوراً.
وهنا لا تعود القضية مرتبطة بلعبة بعينها.
فكم من عادة في حياتنا تشبه لغزاً لا نهاية له؟ كم مرة نمسك الهاتف لمجرد أن أيدينا اعتادت ذلك؟ كم مرة نفتح تطبيقاً دون سبب، ثم ننتقل من شيء إلى آخر، لا لأننا نبحث عن شيء محدد، وإنما لأن الانتقال نفسه أصبح عادة؟
الأخطر ليس أن نرفّه عن أنفسنا، فالترفيه حاجة إنسانية طبيعية. وليس من الضروري أن تكون كل دقيقة في حياتنا منتجة أو مفيدة. الإنسان ليس آلة، ومن حقه أن يلهو وأن يضيّع بعض الوقت دون شعور بالذنب.
لكن الفارق كبير بين أن نختار إضاعة الوقت، وأن نفقد القدرة على ملاحظة أننا نضيعه.
الأولى حرية، أما الثانية فهي عادة قد تتسلل إلينا بهدوء.
لهذا تبدو « لعبة لغز الأسهم»Arrows Puzzle)) أكثر إثارة للتأمل مما توحي به بساطتها. إنها تمنحنا نموذجاً مصغرًا لسؤال أكبر: ما الذي يجعلنا نمنح انتباهنا باستمرار لأشياء لا تحمل بالضرورة قيمة متناسبة مع الوقت الذي نمنحه لها؟
قد تكون الإجابة في طبيعة الإنسان نفسه. نحن نميل إلى المكافآت السريعة، ونحب الشعور بالتقدم، ونجد في حل المشكلات الصغيرة راحة لا تتطلب منا مخاطرة كبيرة أو جهداً طويلاً. وعندما تجتمع هذه العناصر، يصبح من السهل أن نكرر الفعل، حتى بعد أن تنتهي فائدته.
ولعل أجمل ما يمكن أن نتعلمه من هذه التجربة ليس أن نتوقف عن اللعب، ولا أن نحول حياتنا إلى جدول صارم من الأعمال النافعة. بل أن نستعيد شيئاً أكثر بساطة: الوعي.
أن نعرف لماذا نفعل ما نفعله.
أن نسأل أنفسنا أحياناً: هل أريد فعلاً أن أبقى هنا، أم أنني بقيت لأن الانتقال إلى شيء آخر يحتاج إلى قرار؟
قد يبدو السؤال صغيراً، لكنه يعيد إلينا شيئاً مهماً: القدرة على الاختيار.
ففي زمن أصبحت فيه الأشياء كثيرة، والمثيرات أكثر، والانتباه موزعاً بين عشرات الجهات، لم تعد المشكلة دائماً في قلة الوقت، وإنما في من يقرر أين يذهب هذا الوقت.
ربما لذلك، عندما نقول «سألعب لدقائق فقط»، لا بأس أن نلعب. لكن الأجمل أن نعرف متى تكون الدقائق اختياراً منا، ومتى تتحول بهدوء إلى شيء يختار عنا.
فاللعبة في النهاية ليست هي القضية. القضية أوسع بكثير: ماذا نفعل بوقتنا عندما لا نكون منتبهين لمن يملكه؟








اضافةتعليق
التعليقات