لا يعيش الإنسان الأحداث كما تقع في الواقع فحسب، بل يعيشها أيضاً من خلال الطريقة التي يفسرها بها، فقد يواجه شخصان المشكلة نفسها، إلا أن أحدهما يراها دليلاً على الفشل والعجز، بينما ينظر إليها الآخر باعتبارها تجربة صعبة يمكن فهمها والتعلم منها ومن هنا تأتي أهمية التفكير الإيجابي، لا بوصفه وسيلة لإنكار الألم أو الهروب من المشكلات، بل باعتباره أسلوباً يساعد الإنسان على تنظيم أفكاره ومشاعره، واختيار استجابات أكثر اتزاناً تجاه ضغوط الحياة اليومية.
تنتشر في الكتابات العامة عبارة «تغذية العقل الباطن بالأفكار الإيجابية»، غير أن التعبير العلمي الأكثر دقة يتمثل في مفاهيم مثل: التفاؤل الواقعي، وإعادة التقييم المعرفي، والحديث الذاتي البناء، وتنظيم الانفعالات، وتصور المستقبل الأفضل، فالفكرة المتكررة قد تؤثر في طريقة الانتباه إلى الأحداث وتفسيرها، ثم تنعكس على القرارات والسلوك، لكن هذا التأثير لا يحدث بطريقة سحرية، ولا يعني أن الإنسان يستطيع تغيير جميع ظروفه بمجرد تكرار عبارات تحفيزية.
التفكير الإيجابي بين الوهم والممارسة العلمية
يقوم التفكير الإيجابي الناضج على الاعتراف بالواقع ثم البحث عن أفضل استجابة ممكنة له، فعندما يتعرض الإنسان لإخفاق مهني، يمكنه أن يقول لنفسه: «أنا فاشل ولن أستطيع النجاح»، ويمكنه أن يقول: «لم أنجح في هذه المحاولة، وأحتاج إلى معرفة ما الذي ينبغي تطويره»، لا يلغي التفسير الثاني حقيقة الإخفاق، لكنه يمنع تحويل حدث واحد إلى حكم شامل على الذات، إن الفرق الأساسي هنا هو الفرق بين التفاؤل الواقعي والتفاؤل غير الواقعي فالتفاؤل الواقعي يعترف بوجود الصعوبات، لكنه يؤمن بإمكان التحسن من خلال العمل والتعلم وطلب المساعدة، أما التفاؤل غير الواقعي فيتوقع نتائج جيدة من دون تغيير الأسباب التي أنتجت المشكلة، وقد تناولت مراجعة نقدية واسعة تدخلات علم النفس الإيجابي، مثل كتابة الامتنان، وتحديد نقاط القوة، وتصور المستقبل الأفضل، والقيام بأعمال طيبة، ووجدت أن هذه التدخلات يمكن أن تحقق تحسناً صغيراً لكنه دال إحصائياً في الرفاه النفسي، غير أن الباحثين أوضحوا أن بعض الدراسات المبكرة بالغت في تقدير التأثير بسبب صغر العينات البحثية وعدم التعامل الكافي مع تحيز النشر.[1]
وهذه النتيجة مهمة لأنها تقدم رؤية متوازنة: فالتفكير الإيجابي ليس عديم الفائدة، لكنه ليس علاجاً خارقاً أيضاً، وقد يكون أكثر فاعلية عندما يمارس بانتظام، ويرتبط بخطة واقعية وسلوك محدد، بدلاً من الاكتفاء بترديد كلمات عامة.
تصور المستقبل الأفضل
من التدخلات التي تناولتها الدراسات تمرين «أفضل صورة مستقبلية للذات»، يقوم هذا التمرين على تخيل الشخص لحياته في المستقبل بعد أن يبذل جهده ويحقق أهدافاً ممكنة، ثم يكتب وصفاً تفصيلياً لما أصبحت عليه حياته، وما اكتسبه من صفات، وما اتخذه من خطوات، لا يقوم التمرين على أحلام منفصلة عن الواقع، بل يوجه الإنسان إلى تحديد ما يريده وما يحتاج إلى فعله للوصول إليه، فعندما تكون صورة المستقبل واضحة، يصبح من السهل تحويلها إلى أهداف مرحلية، كما تساعد هذه الممارسة على نقل الانتباه من الدوران المستمر حول المشكلات إلى التفكير في الإمكانات والبدائل، وقد حللت مراجعة منهجية 29 دراسة، شملت 2,909 مشاركين، تناولت أثر تمرين «أفضل صورة مستقبلية للذات»، وأظهرت النتائج تحسناً في التفاؤل والرفاه والمشاعر الإيجابية مقارنة بمجموعات المقارنة، وكان التأثير في المشاعر الإيجابية أوضح، بينما كان الأثر في أعراض الاكتئاب والمشاعر السلبية صغيراً.[2]
تعني هذه النتيجة أن تصور المستقبل قد يساعد على زيادة الأمل والدافعية، لكنه لا يغني عن العلاج النفسي أو الطبي عندما يعاني الإنسان اضطراباً نفسياً.
ولكي يكون تصور المستقبل مفيداً، ينبغي أن يتبعه سؤال عملي: ما الخطوة الصغيرة التي يمكن تنفيذها اليوم؟ فإذا تخيل الشخص نفسه أكثر هدوءاً، فقد يبدأ بتخصيص وقت يومي للراحة أو النوم المنتظم، وإذا تصور نفسه ناجحاً في عمله، فعليه أن يحدد المهارة التي يحتاج إلى تعلمها، وبهذا تنتقل الصورة الإيجابية من الخيال إلى السلوك.
إعادة تفسير الضغوط اليومية
من أهم الآليات التي توضح أثر التفكير في الانفعالات ما يعرف بإعادة التقييم المعرفي، وتعني هذه الاستراتيجية تعديل طريقة تفسير الحدث بهدف الوصول إلى استجابة أكثر توازناً، فقد يتأخر شخص عن موعد مهم، فيفسر التأخير بأنه كارثة ستدمر يومه بأكمله، ويمكنه بعد الاعتراف بالخطأ، أن يعيد تقييم الموقف قائلاً: «هذا موقف مزعج، لكن يمكنني الاعتذار وتنظيم وقتي بطريقة أفضل مستقبلاً» لا يغير هذا التفكير ما حدث، لكنه يمنع تضخم الانفعال وتحوله إلى سلوك اندفاعي.
ومع ذلك، لا توجد طريقة واحدة مناسبة لكل الضغوط، فقد تحتاج بعض المواقف إلى القبول، وبعضها إلى حل مباشر، وبعضها إلى طلب الدعم، بينما تستلزم مواقف أخرى الانسحاب أو وضع حدود واضحة، ولهذا أصبحت المرونة في استخدام استراتيجيات التفكير موضع اهتمام في الدراسات النفسية.
وبحثت دراسة حديثة دور المرونة في إعادة التقييم الإيجابي لدى طلاب جامعيين استخدموا تطبيقاً هاتفياً لمدة ثلاثة أسابيع، ووجدت أن تكييف طريقة إعادة التقييم مع شدة الموقف ارتبط بانخفاض أكبر في الضغط النفسي، ولا سيما لدى المشاركين الذين لم يكونوا يميلون في البداية إلى استخدام هذه الاستراتيجية.[3]
توضح هذه الدراسة أن الإيجابية الفعالة ليست عبارة واحدة نستخدمها في جميع المواقف، فإذا توفي شخص عزيز، لا يكون من المناسب مطالبة الإنسان بالبحث السريع عن الجانب المشرق، بل يحتاج إلى الحزن والدعم والوقت، وإذا تعرض الفرد لسوء معاملة، فليست الإيجابية في تبرير الإساءة، وإنما في الاعتراف بها واتخاذ موقف يحمي كرامته وسلامته، ويمكن القول إن الإنسان يتحمل جانباً من المسؤولية عن سلامه الداخلي، لأنه يستطيع مراجعة أفكاره، وتنظيم عاداته، واختيار الأشخاص الذين يقترب منهم، وتعلم طرق أفضل لمواجهة الضغوط، لكنه لا يتحكم في جميع الظروف المحيطة به، لذلك فإن تحميل الإنسان المسؤولية الكاملة عن سعادته قد يتحول إلى حكم قاسٍ عليه، وكأنه مذنب عن كل ألم يعيشه، فالسعادة عملية مشتركة بين الداخل والخارج.








اضافةتعليق
التعليقات