لا يأتي الخدر العاطفي على هيئة انهيار صاخب بل على هيئة صمت داخلي، إذ يستيقظ المرء، يؤدي عمله، يبتسم في مكانه الصحيح ثم يكتشف في نهاية اليوم أنه لم يشعر بشيء: لا فرحاً بخبر سار، ولا حزناً على خسارة، ولا حتى غضباً من إهانة، يصف المصابون حالتهم بكلمات متشابهة في كل اللغات تقريباً: فارغ، مخدَّر، منفصل، كأنني أشاهد حياتي من خلف زجاج، وما يجعل هذه الحالة أخطر مما تبدو هو أنها لا تعطّل القدرة على الإنجاز، فيمضي صاحبها سنوات يعمل ويتزوج ويربّي أبناءه وهو غائب عن نفسه.
ما هو الخدر العاطفي؟
الخدر العاطفي، أو ما يُعرف في الأدبيات الإنكليزية بـ Emotional Blunting أو Emotional Numbness، هو تراجع في القدرة على اختبار المشاعر والتعبير عنها، إيجابية كانت أم سلبية وهو ليس تشخيصاً مستقلاً في الدليل التشخيصي للأمراض النفسية، بل عَرَض يظهر ضمن حالات متعددة، ما يجعل البحث عن سببه أهم من تسميته.
ومن المهم التمييز بينه وبين الاكتئاب لأن الاكتئاب غالباً ما يكون حضوراً ثقيلاً للحزن، أما الخدر فهو غياب الحزن نفسه ويختلف أيضاً عن تبلد الوجدان الذي يعني ضعف التعبير الظاهر مع بقاء الشعور الداخلي، وعن الانفصال عن الذات الذي يرافقه إحساس بعدم واقعية الجسد أو العالم، وإن تداخلت هذه الحالات كثيراً في الممارسة السريرية.
الاعراض التي يجمع عليها الأطباء تتوزع على ثلاثة مستويات:
عاطفياً: تبلّد الاستجابة للأحداث السارّة والمؤلمة معاً، وعجز عن البكاء حتى في مواقف الفقد، وفقدان المتعة في أنشطة كانت محبّبة، وشعور بالفراغ أو اللامبالاة.
اجتماعياً: انسحاب من الناس، وإحساس بالانفصال عن الأقارب والأصدقاء، وأداء آلي للأدوار الاجتماعية من دون حضور حقيقي، وصعوبة في التعاطف.
ذهنياً وجسدياً: ضعف التركيز والتذكّر، وتردد في اتخاذ القرار، وإرهاق مستمر، وشعور لدى بعض المصابين بأن الجسد نفسه بعيد أو غير حقيقي.
ويُنصح بمراجعة مختص إذا استمرت هذه الحالة أسابيع، أو أضرّت بالعلاقات والعمل، أو رافقها يأس أو أفكار بإيذاء النفس.
كيف يصل الإنسان إلى هذه الحالة؟
الصدمة النفسية: الخدر العاطفي أحد أعراض اضطراب ما بعد الصدمة المعترف بها، وهو هنا دفاع لا مرض أي أن الدماغ يطفئ الشعور لأن الشعور صار غير محتمل.
الإجهاد المزمن والاحتراق الوظيفي: الضغط الطويل من دون متنفس يستنزف قدرة الجهاز العصبي على الاستجابة، فينتقل من حالة التأهب إلى حالة الإغلاق.
الاكتئاب واضطرابات القلق: فقدان المتعة من أعراض الاكتئاب الجوهرية، وقد يحلّ الخدر محلّ الحزن ويخفيه.
الأدوية: مضادات الاكتئاب من فئة مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية سبب شائع وموثّق، وهو أثر جانبي لا يُستهان به.
النشأة والعادات: طفولة تعلّم فيها المرء أن إظهار المشاعر خطر، أو إدمان كحول ومواد، أو حرمان مزمن من النوم.
وغالباً ما تجتمع هذه العوامل: مزاج مكتئب، فوقه ضغط عمل، فوقه دواء يخفّف الألم ويخفّف معه الفرح.
لماذا يصبح الإنسان بليد المشاعر ولا يتفاعل؟
الإجابة المختصرة: لأن عدم الشعور كان، في مرحلة ما، أرحم من الشعور. الخدر في جوهره آلية حماية، لا كسل ولا قسوة قلب، حين يتعرض الجهاز العصبي لتهديد يفوق قدرته على المعالجة، فإنه لا يكتفي بالكرّ والفرّ، بل يملك خياراً ثالثاً هو الإغلاق أو خفض الاستجابة الانفعالية إلى حدّها الأدنى والمشكلة أن هذا المفتاح عام وليس انتقائياً؛ لا يمكن إطفاء الألم وحده، فينطفئ معه الفرح والحنين والرغبة.
وتدعم الأبحاث الدوائية هذا التفسير من زاوية أخرى، تجارب على متطوعين تناولوا مضاداً للاكتئاب أظهرت تراجعاً في حساسيتهم للمكافأة، أي في قدرتهم على الاستجابة للتغذية الراجعة الإيجابية والسلبية معاً وهو ما يشرح لماذا يبدو الشخص غير متفاعل حتى حين يحبّ ويُحبّ، ومن الظلم أن يُقرأ هذا السلوك على أنه عدم اكتراث أي أن المصاب غالباً يرى ما يجري، ويعرف أن عليه أن يتأثر، لكنه لا يجد الشعور في مكانه المعتاد.
هل له علاج؟
الخبر الجيد أن الخدر العاطفي في معظم الحالات مؤقت وقابل للعلاج، لأن العلاج يستهدف السبب لا العَرَض، مراجعة الدواء أولاً: إذا بدأ الخدر بعد بدء مضاد اكتئاب، فالحل ليس إيقافه ذاتياً، بل مناقشة الطبيب في خفض الجرعة أو تبديل الدواء بصنف آخر، العلاج النفسي: العلاج المعرفي السلوكي، والعلاج الجدلي السلوكي لتنظيم الانفعالات، والعلاجات الموجّهة للصدمة حين تكون الصدمة هي الجذر، علاج الحالة الأساسية: مع تحسّن الاكتئاب أو اضطراب ما بعد الصدمة، يتراجع الخدر عادةً بوصفه عرضاً من أعراضهما، تدخلات يومية مساندة: نوم منتظم، نشاط بدني، تقليل الكحول والمواد، وتمارين التأريض والانتباه الواعي التي تعيد الاتصال بالجسد تدريجياً، التعافي بطيء بطبيعته: أول ما يعود عادةً ليس الفرح، بل الانزعاج وهو في هذا السياق علامة تحسّن لا انتكاسة.
أيهم أكثر إصابة النساءً أم الرجال؟ وأي فئة عمرية؟
لا توجد إحصاءات عالمية للخدر العاطفي بوصفه حالة مستقلة، لأنه عَرَض لا تشخيص لكن أرقام الحالات التي يرافقها ترسم صورة واضحة، فعلى مسار اضطراب ما بعد الصدمة، يبلغ الانتشار مدى الحياة 10.4% لدى النساء مقابل 5% لدى الرجال، أي أن النساء يتأثرن بنحو الضعف. وعلى مسار مضادات الاكتئاب، يبلّغ نحو 46% من المرضى الذين يتناولونها عن خدر عاطفي، والنساء أكثر إبلاغاً به. أما صعوبة التعرف على المشاعر، فتصل نسبتها إلى 18% لدى المراهقين مقابل 8–10% فقط لدى البالغين، وتظهر عند الرجال أكثر في معظم الدراسات.
الخلاصة أن التفوق النسائي ليس مطلقاً. النساء أكثر عرضة للخدر حين يكون ناتجاً عن صدمة أو اكتئاب أو دواء، بينما يميل الرجال إلى درجات أعلى في صعوبة التعرف على المشاعر والتعبير عنها، ويُرجَّح أن يُعبَّر عنها لديهم بالانسحاب أو الإفراط في العمل أو تعاطي المواد بدل الشكوى، أما العمر، فالمرحلة الأكثر هشاشة هي من أواخر المراهقة إلى منتصف الثلاثينات: صعوبة التعرف على المشاعر أعلى في المراهقة، ومتوسط بدء اضطراب تبدد الشخصية (أقرب الحالات إلى الخدر) يقع عند سن السادسة عشرة تقريباً وفق الدليل التشخيصي DSM-5، مع ذروة ثانية في العقدين الرابع والخامس يفسرها الاحتراق الوظيفي وتراكم الأعباء الأسرية.
متى تطلب المساعدة؟
حين يتحول الصمت الداخلي إلى إقامة دائمة. أسبوع من الفتور بعد خسارة أو إرهاق أمر طبيعي؛ أما أشهر من اللاشعور فهي رسالة من الجهاز العصبي تستحق أن تُقرأ والخطوة الأولى ليست أن تجبر نفسك على الشعور، بل أن تسأل: ممّ كان هذا الخدر يحميني؟ وإن ترافق مع يأس أو أفكار بإيذاء النفس، فالمراجعة الفورية لمختص أو خط دعم نفسي ضرورة لا خياراً.








اضافةتعليق
التعليقات