اعتاد أمجد على الذهاب إلى مدرسته بدراجته الهوائية، إذ تُعد وسيلته المريحة والسريعة التي تقله كل يوم، فكانت بالنسبة له ليست مجرد وسيلة نقل، بل متعته التي لا يمكن الاستغناء عنها.
إن من التجارب الإيجابية لأغلب الشعوب حول العالم استخدام الدراجات الهوائية كوسيلة نقل أساسية، وتُعد أكثر نجاحاً في الدول الأوروبية كمملكة الأراضي المنخفضة (هولندا) والسويد، والدول التي يرتفع فيها عدد السكان كالصين، إذ تُستخدم فيها الدراجة الهوائية بشكل كبير في أماكن التسوق والعمل والتنزه والترويح.
وسيلة صحية
ينقل حسام الكرعاوي، موظف حكومي، تجربته قائلاً: إن استخدام الدراجة الهوائية من الوسائل الصحية، فإن حركة الأقدام لتدوير عجلاتها تساهم في حرق الدهون، وبالتالي تخفض السكر لديّ، فضلاً عن تخفيف الوزن.
تطور اقتصادي
رغم قوة اقتصادات بعض الدول المتطورة ورفاهية شعوبها، إلا أن استخدام الدراجة الهوائية كان أحد أسباب الرفاهية والتطور الاقتصادي، لكونها وسيلة نقل اقتصادية للفرد والمجتمع، وأن استخدامها لا يؤشر إلى ظاهرة الفقر، خصوصاً أن معظم الناس يمتلكون مركبات خاصة بهم، بالإضافة إلى امتلاكهم الدراجة الهوائية التي يستخدمونها كلما سنحت لهم الفرصة.
تخطي أزمات
إن التشجيع على استخدام الدراجات الهوائية ساهم كثيراً في تخطي أزمات الوقود والضغط الناتج عن الاعتماد على شرائه، فضلاً عن توفير وسيلة نقل رخيصة وأكثر أماناً، وتجنب تكاليف وقود المركبة عند استخدامها للتنقل إلى أماكن قريبة جداً، وتخفف أيضاً من التلوث البيئي الناتج عن الأبخرة المتصاعدة من حركة المركبات المتزايدة.
فوائد أخرى
ولركوب الدراجات فوائد صحية ورياضية، إذ تُعد وسيلة لتنشيط الدورة الدموية والتخلص من الدهون الزائدة وتخفيف الوزن، وهذا جانب صحي مهم يساهم في التخلص من أمراض السمنة وأمراض القلب وتصلب الشرايين وما إلى ذلك.
وتُعد هولندا الدولة الأولى والأكثر استخداماً للدراجات الهوائية في العالم، حيث تُلقب بـ(أرض الدراجات الهوائية)، ولذلك تتصدر القسم الأعظم من الاستخدام العالمي بمتوسط ثلاث دراجات لكل أسرة، وتضم عاصمتها أمستردام مئات الآلاف من الدراجات، إضافة إلى مدينة أوتريخت.
ويشتهر الهولنديون باستخدامهم الدراجات الهوائية بشكل كبير، وذلك لانخفاض الأراضي لديهم وسهولة الحركة بها، فضلاً عن الطبيعة، فيُعد ركوبها للتسلية أيضاً، وعادة ما يخرج الهولنديون على شكل مجموعات لممارسة قيادة الدراجة كرياضة، والوصول إلى المتنزهات والشواطئ والبحيرات، وخروج أفراد العائلة الواحدة سوية إلى الأسواق أو النزهة.
أما الدنمارك، فتشتهر عاصمتها كوبنهاغن بنظافتها واعتماد سكانها الكبير على الدراجات كوسيلة نقل يومية أساسية، بينما تبرز في فرنسا مدن مثل ستراسبورغ وبوردو كمدن رائدة في دعم البنية التحتية لركوب الدراجات، وتحتل مدينة مالمو في السويد مرتبة متقدمة أوروبياً وعالمياً في استخدام الدراجات الهوائية، إضافة إلى بلجيكا، التي تتميز بمدينة أنتويرب، بكونها من المدن المشجعة والداعمة لقائدي الدراجات.
طرق خاصة
وقد خضعت قيادة الدراجات الهوائية للتنظيم أيضاً، كما هو الحال مع كل جوانب الحياة الأخرى في بعض الدول، حيث خُصصت لها طرق خاصة، ووضعت لها قواعد أيضاً على مستخدميها، كالاشتراط بوضع إشارات ضوئية أمامية وخلفية لها أثناء قيادتها ليلاً، وإلا أجبرته الشرطة على دفع غرامة مالية في حالة المخالفة، وعلى الراكب استخدام يديه لإعطاء إشارة في حالة انعطافه يميناً أو يساراً.
وعلى المواطن أحياناً إظهار وصل الشراء، خصوصاً بالنسبة للدراجات الحديثة التي تكون باهظة الثمن بسبب وجود حالات سرقة للدراجات، كما تُمنع قيادة الدراجة الهوائية داخل الأسواق المزدحمة، وتُفرض غرامة أيضاً على من يخرق هذه التعليمات، وخُصصت لها ساحات وقوف خاصة تكون مجانية أو مقابل أجور رمزية في الأماكن المزدحمة.
أزمة داخل البيت
أما الحاج خضر الحارثي، متقاعد في عقده السادس، فكان له موقف آخر مع استخدامه للدراجة الهوائية، إذ قال لـ«بشرى حياة»: لقد رفضت أسرتي استخدام الدراجة الهوائية. لقد كانت الفكرة بسيطة بالنسبة إليّ، فبعد التقاعد بدأت أخرج لقضاء الوقت بين الجامع أو الأسواق أو زيارة صديقي الذي يقطن حينا ويبعد عن منزلي بشارعين. وجدتها وسيلة مريحة وصحية وعملية تختصر الوقت والزحام، لكنني لم أكن أتوقع أن يتحول الأمر إلى أزمة داخل البيت.
فقد رفضت زوجتي والأبناء ذلك بحجة (عيب، شيكولون الناس؟). هنا أدركت أن القضية ليست بركوبي الدراجة الهوائية، بل بثقافة كاملة، فنحن نعيش في مجتمعات لا ترى الإنسان كما هو، بل كما يبدو، إذ أصبح الشخص يُقاس بما يركبه، لا بما يحمله من وعي وما يملكه من أخلاق ومبادئ، حتى البساطة تحولت إلى تهمة، لهذا ترى كثيرين يعيشون فوق طاقتهم الحقيقية، والبعض مستعد لأن يغرق بالديون فقط ليحافظ على صورة اجتماعية فارغة.
أنواع الدراجات
ويمكن ملاحظة أنواع وموديلات وأحجام مختلفة للدراجات الهوائية، فهناك دراجة هوائية عمودية عادية مخصصة للرجل، وأخرى عادية مخصصة للسيدات تسهل عملية ركوبها والنزول منها، وهناك دراجة ذات مقعدين يقودها شخصان في آن واحد، ودراجة يقودها شخص واحد مع وجود عربة خلفها أو أمامها لحمل أكثر من طفل فيها، وهناك دراجة عادية مزودة أيضاً بمقعد صغير أمامي أو خلفي أو سلة للتسوق، كما توجد دراجات لحمل طفل واحد أو أكثر.
وهناك دراجة بعجلة واحدة وبدون الشريط الحديدي (الزنجيل) وبدون مقعد، وتكون منخفضة جداً مقارنة بالدراجة العادية، ويقوم الراكب بدفع العجلة بإحدى ساقيه، ثم يضع بعد ذلك ساقيه على الدراجة ليستريح إلى أن تنخفض سرعتها، ليقوم مرة أخرى بدفع العجلة بقدمه، وهكذا، وتُعتبر هذه الوسيلة أكثر فائدة لرياضة الجسم.
تجارب الشعوب
وتُظهر تجارب العديد من الشعوب حول العالم كيف تحولت الدراجات الهوائية من مجرد وسيلة تنقل بسيطة إلى خيار استراتيجي يسهم في خفض الازدحامات المرورية وتحسين الصحة العامة، ففي العراق تبرز الحاجة الماسة للاستفادة من هذه التجارب الدولية للتغلب على التحديات المرورية الخانقة.
إلا أن اتساع نطاق استخدام الدراجة يقف أمامه عائق ثقافي واجتماعي، حيث ما يزال البعض ينظر إليها كرمز للفقر أو كدليل على تدني المستوى المعيشي، مضحين بفوائدها العملية لصالح المظاهر الاجتماعية، وهنا يأتي دور الجهات المعنية والمؤسسات الحكومية لتغيير هذه النظرة النمطية، من خلال التوعية بأهميتها الرياضية والصحية، وتسهيل استيرادها وتوفير البنية التحتية والمسارات الآمنة لها، لتصبح الدراجة وسيلة تنقل حديثة ومستدامة تخفف العبء عن الطرقات وتصون صحة المواطنين.
رمز للوعي
ولعل خير دليل على أن الدراجة الهوائية هي رمز للوعي والتواضع الحضاري وليست مؤشراً على الفقر، ما نراه في تجارب دولية بارزة، حيث شهد العالم مشاهد ملهمة لقادة ورؤساء استخدموا الدراجة كوسيلة أساسية للتنقل، ومن أبرزها رئيس الإكوادور السابق (غييرمو لاسو) الذي غادر مبنى الرئاسة عقب انتهاء ولايته ممتطياً دراجة هوائية، في مشهد حظي بتداول واسع في وسائل الإعلام ومواقع التواصل، كرمز للبساطة وللتحول السلس للسلطة، فضلاً عن رئيس وزراء هولندا السابق (مارك روته) الذي أطل مراراً وهو يتجه إلى اجتماعاته الرسمية على دراجته دون موكب رسمي، مما جعل هولندا نموذجاً يربط بين تواضع القيادة وتشجيع النقل المستدام.
أما (ألكسندر فان دير بيلين)، رئيس النمسا، فيُعرف عنه تنقله المنتظم بدراجته الهوائية ووسائل النقل العام في شوارع فيينا للوصول إلى مكتبه الرئاسي، بينما اشتهر (بوريس جونسون)، رئيس وزراء بريطانيا الأسبق، عندما كان عمدة للعاصمة لندن، بذهابه إلى العمل بالدراجة، وقاد مبادرة توسيع مسارات الدراجات ونشرها كحل للأزمة المرورية في لندن.
إن تجربتهم تُعد رسائل واضحة مفادها أن الدراجة ليست دليلاً على الفقر، بل خيار ذكي وعصري يعكس وعياً بيئياً وحضارياً تجدر الاستفادة منه، وتؤكد أن القيادة والتحضر يكمنان في تقديم حلول عملية ومستدامة للمجتمع، بعيداً عن أوهام المظاهر والبرستيج.
من آلة خشبية إلى وسيلة نقل
تُعد الدراجة الهوائية وسيلة بدائية تتحرك بدفع القدمين، حتى تحولت إلى وسيلة نقل حاضرة في شوارع المدن وممراتها المخصصة، حيث قطعت رحلة طويلة امتدت قرابة قرنين من الزمن، وبينما تحولت في بعض البلدان إلى جزء من الحياة اليومية، بقيت في أماكن أخرى مرتبطة بالرياضة والترفيه، لكنها في الحالتين حافظت على بساطة فكرتها كوسيلة تتحرك بقوة الإنسان وتمنحه قدرة على التنقل من دون وقود.
وتعود إحدى أهم المحطات في تاريخ الدراجة إلى عام 1817، عندما صمم المخترع الألماني كارل درايس آلة خشبية بعجلتين أطلق عليها اسم (آلة الجري). كان درايس يعمل مشرفاً على الغابات، واستخدمها للتنقل عبر الغابة بسرعة أكبر من المشي. لم تكن دراجة درايس مزودة بدواسات، وكان الراكب يجلس على المقعد ويدفع نفسه بقدميه على الأرض، لكن أهم ما ميزها أنها امتلكت عجلة أمامية قابلة للتوجيه، وهو تطور أساسي في تاريخ الدراجة. وحصل درايس على براءة اختراع عام 1818.








اضافةتعليق
التعليقات