تضليلُ الحقائق الذي أصبح له دستورٌ مبطّن لا يبدأ دائمًا بكذبةٍ واضحة ولا يحتاج إلى من يفرضه بالقوة فقد تبدأ الحكاية بكلمة ثم تتكرر ثم تُصدَّق ثم تتحول مع الوقت إلى قناعة حتى يصبح ما كان مرفوضًا بالأمس أمرًا مألوفًا لا يُسأل عنه..
وهنا تكمن الخطورة فالمجتمعات لا تُضلَّل حين تُخفى عنها الحقيقة فحسب بل حين تُقدَّم لها بصورةٍ ناقصة أو مشوّهة أو ممزوجة بالهوى حتى يفقد الإنسان قدرته على التمييز بين ما حدث فعلًا وما أُريد له أن يصدّقه، ولعلّ في سيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وهو يتولى شؤون الأمة، ما يضع لنا ميزانًا واضحًا لفهم العلاقة بين الحق والسلطة والمجتمع فلم يكن الحكم عنده امتيازًا بل أمانةً تقوم على أداء الحقوق وإقامة العدل..
فالحق لا يُقاس بكثرة من يردده ولا يتغير بتغير المصالح وإنما يبقى حقًا وإن خالف الهوى، وتبقى العدالة عدالةً وإن لم توافق رغبات الجميع وقد حذّر القرآن الكريم من أخطر صور الانحراف عن الحقيقة، وهي أن تختلط بالباطل حتى يفقد الإنسان القدرة على تمييزها:
﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.1
وهنا تتضح مسؤولية الإنسان في أن لا يكون مجرد ناقلٍ لما يسمع ولا تابعًا لما يشاع، بل باحثًا عن الحقيقة متثبتًا منها عادلًا في الحكم عليها.
ويضع أمير المؤمنين (عليه السلام) لهذا الوعي ميزانًا دقيقًا حين يقول: «فإذا أدّت الرعيّة إلى الوالي حقّه وأدّى الوالي إليها حقّها عزّ الحقّ بينهم وقامت مناهج الدين، واعتدلت معالم العدل».
فإذا اختلّ هذا الميزان بدأ الحق بالتراجع لا لأنه ضعيف وإنما لأن النفوس اعتادت أن تستبدله بما يوافق أهواءها.
والأخطر من انتشار الباطل أن يصل المجتمع إلى مرحلةٍ يألفه فيها فلا يستنكره ولا يتوقف أمامه وقد عبّر أمير المؤمنين (عليه السلام) عن هذه الحالة بقوله: «فلا يُستوحشُ لعظيمِ حقٍّ عُطّل، ولا لعظيمِ باطلٍ فُعِل».2
وحين يصبح تعطيل الحق أمرًا عاديًا، ويتحول الباطل إلى روايةٍ مألوفة تتناقلها الألسن لا يعود التضليل مجرد فعلٍ فردي بل يتحول إلى ثقافةٍ تصنع وعيًا مشوّهًا وقد يصبح مع مرور الزمن أشبه بدستورٍ غير مكتوب..
ولذلك، فإن مواجهة التضليل لا تكون بالانفعال وحده ولا باستبدال روايةٍ برواية بل تبدأ من سلوكٍ يوميٍّ مسؤول: أن نتثبت قبل أن ننقل وأن نسأل عن الدليل قبل أن نُصدر الحكم وأن نُنصف حتى من نختلف معه وألا نسمح لتكرار الباطل أن يمنحه شرعيةً لا يستحقها.
فلنراجع ما يصل إلينا ولنفرّق بين الخبر والرأي وبين الشهادة والادعاء وبين النقد الذي يطلب الإصلاح والتشهير الذي يطلب الإدانة ولنجعل الصمت عن الظلم استثناءً لا عادة والاعتراف بالخطأ فضيلةً لا هزيمة، والرجوع إلى الحق شجاعةً لا تراجعًا.
إن مقاومة التطبيع مع الباطل تبدأ من لحظةٍ صغيرة: حين نرفض أن نضحك على الظلم أو نبرر الكذب أو نعتاد انتهاك الحقوق أو نقول: «هكذا اعتاد الناس»
فكل باطلٍ كبير بدأ بتنازلٍ صغير وكل حقٍّ محفوظ بدأ بموقفٍ صادق.
فالحق لا يصبح حقًا لأن الجميع قالوه، والباطل لا يصبح حقًا لأن تكراره طال. وبينما قد ينجح التضليل في صناعة الاعتياد، يبقى للوعي قدرةٌ على كسر هذه الدائرة؛ بشرط أن يتحول من معرفةٍ صامتة إلى موقف، ومن موقفٍ فردي إلى ثقافة، ومن ثقافةٍ إلى مسؤوليةٍ عامة.
فلنكن شهودًا للحق لا صدى للتضليل، ولنحفظ للإنصاف مكانه في أحكامنا، وللتثبت مكانه في كلماتنا، وللضمير مكانه في قراراتنا حتى لا يصبح الباطل دستورًا ولا يصبح السكوت عليه قانونًا ولا تتحول الحقيقة إلى غريبةٍ بين أهلها.







اضافةتعليق
التعليقات