منذ أن وطئ الإنسان هذه الأرض، وهو مجبول على حب الاطلاع والمعرفة، ومأخوذ بالكشف عن الأسرار والأمور والأشياء الغامضة لديه.
يعيش متأثرًا بمن حوله، فالأصدقاء والرفقاء ليسوا مجرد أشخاص نشاركهم أوقاتنا، بل هم مرايا تنعكس فيها أفكارنا وسلوكياتنا وقيمنا. لذلك جاءت الشريعة الإسلامية والحكمة الإنسانية لتؤكد أهمية اختيار الصحبة الصالحة، لما لها من أثر عظيم في بناء الشخصية وتقويم السلوك، كما أن أهل الخير يزرعون في النفوس الطمأنينة، منبهين أصحابهم بالله إذا غفلوا. وقد ضرب النبي (صلى الله عليه وآله) أروع الأمثلة في بيان أثر الصحبة، حين شبّه الجليس الصالح بحامل المسك الذي إما أن يهديك منه، أو تشتري منه، أو تجد منه ريحًا طيبة.
وهنا تكمن أهمية أن يبحث الإنسان دائمًا عن نموذجه الأمثل؛ لأن رفيق الدرب هذا إما أن يكون دافعًا قويًا للنجاح، أو سيقف حائلًا بينه وبين أي تقدم. فلابد من اختيار رفيق الدرب الأمثل في الحياة، ولا يوجد هناك أفضل من أهل الخير والصلاح لمرافقتهم في هذه الدنيا. إذًا كيف تختار صاحبك؟ هل تختار من يقف في طريق الهداية ويصرف شباب الإسلام عنها، أو تختار الصاحب الذي بكل فعل يقربك إلى الله عز وجل؟ وهذا ما يسعى إليه من يبتغي من الله الرضا والقبول.
قد يكون السعي شاقًا للحصول على الشخص الصالح والأقرب إلى روحك، فالصاحب الصالح، وإن كان نادرًا، فهو موجود، ولكن عليك بالبحث. فكر في قول أهل العلم والصلاح، حيث قال أحدهم: الأصحاب ثلاثة: صاحب كالهواء، وصاحب كالدواء، وصاحب كالداء.
فأما الصاحب الذي كالهواء، فهو الذي لا تستغني عنه، فهو كالهواء، إذا انقطع عنك مت. وهو الذي يقربك من الله، ويدلك على الله، ويحبب إليك ذكر الله، فلا تفارقه، وزره دائمًا، وجالسه، واسأله، وأحبه، وادعُ له.
وصاحب كالدواء، وهو الذي تحتاج إليه وقت الطلب، لا غنى عنه، تجده الأقرب إذا تكالبت عليك الشدائد، وضاقت بك السبل، فتجده أول الملبين للوقوف معك. فكم من صاحب مؤمن استطاع تغيير عادات صديقه السيئة بالنصيحة، فينتشله من براثن الغلط والفشل، ورجع عبدًا مطيعًا صلحت سريرته.
أما الصاحب الثالث فهو:
صاحب كالداء يُعديك، وهذا الموت الزعاف، وهو الذي يقربك من النار، ويقودك إلى الخزي في الدنيا والآخرة، والعياذ بالله تعالى. وهذا اهرب منه، وفر منه فرارك من الأسد.
وتذكر أنك إذا أردت الخير، فصاحب أهل الخير تكن منهم، ولا تصاحب أهل الشر فتُحسب عليهم. الفاجر يُعديك بفجوره، فالصاحب ساحب، والكاذب يضرك بكذبه، لأنه يقرب لك البعيد، ويبعد عنك القريب. فاحذر جلساء السوء الذين يصدون عن دين الله تعالى.
واشكر المولى على خلاصك منهم، واعلم أن جزاء من صاحب الصالحين أمور ثلاثة: الأول: أن يزيدك الله علمًا وفهمًا وتوفيقًا. والثاني: أن تدرك دعوتهم في الدنيا. والثالث: أن تنال شفاعتهم في الآخرة.
قال الله تعالى: ﴿الأخلاء يومئذٍ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين﴾ (الزخرف: 67).
مصاحبة أهل الصلاح وأهل العلم ينفع بعضهم بعضًا في الآخرة، وهو السعي المحمود للعبد الذي غايته رضا الله والعباد.


اضافةتعليق
التعليقات