في مدينةِ رسولِ الله، حيثُ كان للسكينةِ وقعُ الخُطى، انكسرَ ميزانُ الحكمةِ بسُمِّ الخيانة. في تلك الغرفةِ التي خيّمَ عليها صمتُ الموت، لم يكن الإمامُ الحسنُ المجتبى (عليه السلام) يلفظُ كبدَه فحسب، بل كان يلفظُ معها بقايا أملٍ في أمةٍ رضيَت لنفسها الانقيادَ خلفَ بريقِ السلطةِ الزائف، تاركةً ريحانةَ النبيِّ تواجهُ قدرَها وحيدةً بين جدرانِ بيتٍ غدرَ به القريبُ قبلَ البعيد.
كان مشهدُ الطشتِ تجسيداً مادياً لصراعِ القيم كبدٌ تُقطَّعُ من أثرِ السمِّ، تقابلُها نفسٌ كريمةٌ آثرت أن تموتَ وهي تجرع غصصَ الصمتِ والصلح، على أن تفتحَ باباً للفتنةِ يرتوي من دماءِ المسلمين.
لم يكن السمُّ الذي سرى في جسدهِ الكريم مجرد مادةٍ سامةٍ دُسّت في طعام، بل كان انعكاساً لسمومِ التضليلِ التي نُشرت في المجتمعِ آنذاك سمومُ النفاقِ الذي لبسَ رداءَ الدين، وسمومُ الخذلانِ الذي جعلَ من ابنِ بنتِ النبيِّ غريباً في عقرِ داره.
لقد كان الإمامُ الحسنُ في تلك اللحظاتِ يمثلُ التراجيديا الإنسانية في أسمى صورها كان يعلمُ بمن سَقاهُ السُمَّ، ويعلمُ بمآلاتِ الأمور، ومع ذلك، ظلَّت ملامحُه تعكسُ هدوءَ البحرِ الذي لا يعكرُ صفوهُ العواصف.
إنَّ تمزيقَ كبده لم يكن إلا تمزيقاً للوعيِ الذي كان يحملهُ في صدره، والذي أرادَ خصومُ الحقِّ وأعداءُ الحقيقةِ وأدَهُ قبلَ أن يستقرَّ في وجدانِ الأجيال.
لقد وقفَ الزمانُ حينها ليرى كيف يغادرُ المجتبى الحياةَ وهو يلفظُ قطعاً من أحشائهِ في مشهدٍ لا يدمي العيونَ فحسب بل يمزقُ الروحَ ألماً على عظمةٍ كانت بين أيدي الناسِ فخذلوها .
لقد كان الطشتُ شاهداً على أنَّ الحقَّ في هذا العالم قد يضطرُّ إلى الانحناءِ أمام طوفانِ الغدر، لكنه في انحنائهِ ذلك، يكتبُ للخلودِ سطراً من نور، بينما يغرقُ الجلادون في مستنقعاتِ خيانتهم.
رحلَ الإمامُ مسموماً، لا ليغيبَ عن الذاكرة، بل ليظلَّ وجعُ طشتهِ جرحاً مفتوحاً يذكرنا دائماً بأنَّ الغدرَ لا يطالُ الأجسادَ فحسب، بل يسعى لتقطيعِ أوصالِ الحقيقةِ والعدلِ في كلِّ زمان. بقيت تلك الذكرى تترددُ في جنباتِ التاريخِ كصدى صرخةٍ خافتةٍ، تذكرُ العارفين بأنَّ ثمنَ المبادئِ لا يُقاسُ بغيرِ التضحيةِ بالروحِ والجسدِ في سبيلِ ألا تموتَ الحقيقةُ تحتَ وطأةِ الباطل.








اضافةتعليق
التعليقات