في العاشر من أكتوبر/تشرين الأول من كل عام، يفتح اليوم العالمي للصحة النفسية باباً واسعاً للنقاش حول العوامل التي تصنع الضيق النفسي أو تزيد حدته، وفي عام 2026 اختارت منظمة الصحة العالمية شعار "لننصت إلى أصوات من يعيشون التجربة، من أجل تغيير في صميم الواقع"، داعية إلى ألا يقتصر التعامل مع الصحة النفسية على سماع الناس بل إلى إشراك تجاربهم في صياغة السياسات والخدمات والقرارات التي تمس حياتهم.
ومن التجارب التي تستحق أن يُنصت إليها اليوم بجدية تجربة الشباب مع التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة، فهذه الفئة تقف في مرحلة انتقالية حساسة: إكمال الدراسة، والبحث عن أول وظيفة، والاستقلال عن الأسرة، وتأمين السكن، والزواج، وتكوين أسرة، وبناء قدر من الاستقرار يسمح بالتخطيط للمستقبل.
التضخم في اللغة الاقتصادية هو الارتفاع العام والمستمر في مستوى الأسعار لكنه في حياة الشاب ليس رقماً في نشرة اقتصادية إنما يعني أن الراتب نفسه لم يعد يشتري الكمية نفسها من الطعام، وأن أجرة السكن تستقطع نسبة أكبر من الدخل، وتكاليف النقل والتعليم والعلاج والاحتياجات اليومية ترتفع بينما قد يبقى الدخل ثابتاً، ومع استمرار هذه الضغوط، تنتقل المشكلة تدريجياً من المحفظة إلى الحالة النفسية.
كيف يصل التضخم إلى الصحة النفسية؟
لا يؤثر التضخم في الدماغ بصورة مباشرة، لكنه يعمل من خلال سلسلة من الضغوط المتراكمة: (ارتفاع الأسعار ← تراجع القدرة الشرائية ← صعوبة تلبية الاحتياجات ← ضغط مالي وعدم يقين ← خوف من المستقبل ← قلق وضيق نفسي وأعراض اكتئابية). فعندما يكتشف الشخص، شهراً بعد آخر، أن دخله لم يعد كافياً لما كان يغطيه سابقاً، يبدأ في إعادة ترتيب احتياجاته: ماذا يشتري؟ ماذا يؤجل؟ ما الذي يمكن الاستغناء عنه؟ وهل تكفي المدخرات للطوارئ؟ في البداية قد تكون هذه العملية مجرد محاولة عقلانية لإدارة الميزانية، لكن استمرارها لفترة طويلة قد يحولها إلى مصدر دائم للترقب والقلق.
ويعد الإحساس بالسيطرة من العناصر المهمة في التوازن النفسي لأن الإنسان يستطيع تحمل صعوبات كثيرة عندما يشعر بأن أمامه خطة واضحة وبدائل وقدرة نسبية على التنبؤ بما سيحدث أما التضخم فيربك هذه المعادلة لأن المدخرات تفقد جزءاً من قيمتها، والميزانية التي كانت مناسبة قبل أشهر تصبح غير كافية، والهدف الذي كان قريباً، كشراء منزل أو الزواج أو بدء مشروع، يبتعد تدريجياً بالتالي لا يصبح الخوف مرتبطاً بفاتورة واحدة، بل بمستقبل يصعب التنبؤ به.
جيل Z تحت ضغط الأسعار
قدمت دراسة حديثة أجراها Kevin Jackson وZita Kelemen وÁkos Nagy ونشرت عام 2025 واحدة من أوضح الصور العلمية المباشرة للعلاقة بين التضخم والصحة النفسية للشباب، إذ شملت الدراسة 517 طالباً جامعياً من جيل Z في المجر، واستخدم الباحثون مقاييس معتمدة لقياس انعدام الأمن الغذائي وأعراض الاكتئاب.
وأفاد أكثر من 90% من الطلبة بأنهم تأثروا بالتضخم بدرجة ما، بينما قال 30.8%إن تأثيره كان قوياً، ووصفه 4.8% بأنه شديد للغاية، كما تبين أن 45.6% من أفراد العينة عانوا شكلاً من أشكال انعدام الأمن الغذائي، وهنا تظهر نقطة شديدة الأهمية: لم يكن انعدام الأمن الغذائي مجرد نتيجة مالية لارتفاع الأسعار بل أصبح حلقة وصل بين التضخم والصحة النفسية.
إذ أن كلما ازداد شعور الطلبة بتأثير التضخم، ارتفع لديهم انعدام الأمن الغذائي، وكلما ازداد عدم الأمان المتعلق بالحصول على الغذاء ارتفعت أعراض الاكتئاب، وأظهر التحليل الإحصائي أن انعدام الأمن الغذائي توسط نحو 39.34% من العلاقة بين التضخم المدرك والاكتئاب، أي إن جزءاً مهماً من الأثر النفسي لارتفاع الأسعار يمر عبر سؤال أساسي للغاية: هل أستطيع الحصول بانتظام على طعام كافٍ ومناسب؟ وهذه النتيجة توضح لماذا لا يمكن التعامل مع الصحة النفسية بمعزل عن الاحتياجات الأساسية للإنسان.
حين يتحول الطعام إلى مصدر قلق
عادة ما يجري النظر إلى انعدام الأمن الغذائي بوصفه مشكلة تغذية، لكن تأثيره النفسي يتجاوز كمية الطعام، لأن الطالب أو الشاب الذي يبدأ في التساؤل عما إذا كان يستطيع شراء طعام مناسب حتى نهاية الشهر قد يعيش حالة مستمرة من التفكير والقلق. وقد يضطر إلى خفض جودة غذائه، أو تقليل الكمية، أو اختيار الطعام الأرخص بدلاً من الأكثر فائدة، أو المفاضلة بين الطعام واحتياجات أخرى كالمواصلات أو العلاج، وفي الدراسة المجرية، وجد الباحثون تأثيراً مباشراً للتضخم المدرك في انعدام الأمن الغذائي، وتأثيراً مباشراً أيضاً في أعراض الاكتئاب، إلى جانب تأثير انعدام الأمن الغذائي نفسه في الاكتئاب، وبذلك يصبح الطعام مثالاً واضحاً على الطريقة التي تنتقل بها مشكلة اقتصادية خارجية إلى الداخل النفسي للإنسان.
الشابات.. عبء أكبر في بعض الدراسات
أظهرت الدراسة المجرية كذلك فروقاً بين الجنسين؛ إذ سجلت الطالبات مستويات أعلى من انعدام الأمن الغذائي وبعض مؤشرات الاكتئاب مقارنة بالطلاب، وكان 60.6% من المصنفين ضمن فئة الاكتئاب الشديد في عينة الدراسة من النساء، ولا تعني هذه النتيجة أن المرأة ستكون بالضرورة أكثر تأثراً من الرجل في كل مجتمع أو ظرف، لكنها تشير إلى ضرورة مراعاة الاختلافات الاجتماعية والاقتصادية بين الجنسين، باعتبار أن انخفاض الدخل، والهشاشة الوظيفية، ومسؤوليات الرعاية والعمل غير المدفوع، وضعف شبكات الحماية الاقتصادية، كلها عوامل يمكن أن تقلل من قدرة بعض النساء الشابات على امتصاص الصدمات المالية.
والأهم أن التضخم لا يؤثر في الجميع بالتساوي كون الزيادة نفسها في الأسعار قد تكون مزعجة لشخص ذي دخل مرتفع لكنها قد تعني لشخص محدود الدخل التخلي عن وجبة أو علاج أو وسيلة نقل.
ثلاثة أرباع البالغين شعروا بضغط التضخم
وتقدم دراسة أميركية واسعة دليلاً إضافياً على الصلة بين ارتفاع الأسعار والصحة النفسية، اعتمد الباحثون على بيانات Household Pulse Survey وقارنوا بيانات بالغين في سن العمل في فترتين بين أكتوبر/تشرين الأول 2022 ومايو/أيار 2023، ووجدوا أن الضغط الناتج عن ارتفاع الأسعار طال أكثر من ثلاثة أرباع المشاركين؛ إذ بلغت النسبة 77.7% في فترة القياس الأولى و78.7% في الثانية، وبعد ضبط عدد من العوامل الاجتماعية والديموغرافية، ارتبط الضغط المتوسط أو المرتفع بسبب التضخم بارتفاع احتمالات الإصابة بأعراض الاكتئاب بنحو2.22 مرة، والقلق بنحو2.50 مرة، مقارنة بالأشخاص الذين عانوا ضغطاً قليلاً أو لم يعانوا منه.
صحيح أن هذه الدراسة تناولت البالغين في سن العمل وليست مقتصرة على الشباب، لكنها تكشف أن الضغط الناتج عن ارتفاع الأسعار ليس مجرد انزعاج اقتصادي مؤقت، وإنما يرتبط بمؤشرات نفسية واضحة. ومع ذلك، ينبغي عدم تفسير النتائج على أن التضخم وحده يسبب الاكتئاب أو القلق؛ فالصحة النفسية نتاج شبكة معقدة من العوامل الشخصية والاجتماعية والاقتصادية. وتثبت الدراسات هنا ارتباطاً قوياً، بينما تختلف القدرة على إثبات السببية من تصميم بحثي إلى آخر.
عندما يلتقي التضخم بالبطالة
إذا كان ارتفاع تكاليف الحياة مرهقاً للشخص الذي لديه دخل، فإن المشكلة تصبح أكثر حدة عندما يقترن الغلاء بالبطالة، وفي دراسة فرنسية ممثلة وطنياً شملت 2217 شاباً وشابة تراوحت أعمارهم بين 18 و30 عاماً، وجد الباحثون أن العاطلين عن العمل كانوا أكثر عرضة لأعراض الاكتئاب مقارنة بالعاملين، وبلغت نسبة الأرجحية لديهم 1.50 لكن اللافت أكثر هو أثر الوضع المالي نفسه، وعند مقارنة الشباب الذين وصفوا وضعهم المالي بأنه مريح بغيرهم، ارتفعت احتمالات الاكتئاب مع اشتداد الضائقة المالية؛ ووصلت نسبة الأرجحية إلى 3.87 لدى الذين وصفوا وضعهم المالي بأنه صعب، وهذه النتيجة تذكر بأن العمل ليس مصدر دخل فقط، بل يمنح الإنسان أيضاً الروتين، والشعور بالإنتاج، والهوية الاجتماعية، والقدرة على التخطيط للمستقبل.
أثر البطالة قد يستمر
وجدت دراسة طولية بريطانية، تابعت مجموعة من تلاميذ المدارس منذ عمر 13–14 عاماً حتى نحو 25 عاماً، ارتباطاً بين التعرض للبطالة في الشباب وسوء الصحة النفسية في مرحلة لاحقة. كما كان أثر البطالة غير متساوٍ، إذ ظهر بصورة أكبر لدى الأشخاص الموجودين أصلاً في الطرف الأسوأ من توزيع الصحة النفسية وتشير هذه النتائج إلى أن أزمة العمل في مقتبل العمر قد لا تنتهي آثارها النفسية دائماً بالحصول على الوظيفة التالية، بل يمكن أن تترك بصمتها على الشعور بالأمان والثقة بالمستقبل.
وتعزز ذلك نتائج دراسة أخرى لـFreund وزملائه على الشباب في فيتنام، إذ أدى فقدان العمل إلى ارتفاع احتمال ظهور أعراض القلق بمقدار5.9 نقاط مئوية، أي ما يقارب ضعف مستوى الأساس السابق والأهم أن الباحثين وجدوا أن الضغط المالي وانعدام الأمن الغذائي فسرا ما يصل إلى 22 في المئة من الزيادة المقدرة في القلق بعد فقدان العمل، مرة أخرى تظهر الحلقة نفسها: فقدان العمل يؤدي إلى ضغط مالي، والضغط المالي يهدد القدرة على تلبية الاحتياجات، ثم يتحول التهديد المادي إلى قلق نفسي.
الفقر والصحة النفسية.. صورة عربية
وفي السياق العربي، تقدم دراسة مصرية منشورة عام 2022 حول تأثير الفقر في الصحة النفسية للشباب مؤشراً مهماً، اعتمدت الدراسة على بيانات 8668 شاباً وشابة بين 18 و35 عاماً من المسح القومي للنشء والشباب، واستخدمت مقياس SRQ-20 للصحة النفسية، وأظهرت النتائج أن احتمالات الاضطرابات النفسية لدى الشباب الفقراء بلغت نحو ثمانية أضعاف احتمالاتها لدى غير الفقراء، مع تعرض الإناث لمخاطر أكبر.
وهذه الدراسة لا تقيس التضخم بصورة مباشرة، ولذلك لا يصح القول إنها تثبت أن التضخم يؤدي إلى النتيجة نفسها. لكنها تساعد على فهم ما يمكن أن يحدث حين يؤدي غلاء المعيشة إلى تعميق الحرمان، أو دفع الأسر والشباب الهشين اقتصادياً إلى الاقتراب من الفقر، وحين تصبح الاحتياجات الأساسية، مثل الطعام والسكن والعلاج، موضع مساومة يومية، يتحول الاقتصاد إلى مصدر مستمر للتهديد النفسي.
لماذا الشباب تحديداً؟
مرحلة الشباب حساسة نفسياً واجتماعياً، لأن الفرد خلالها يبني هويته واستقلاله وعمله وعلاقاته وخططه طويلة المدى، وتصبح القدرة على الكسب بالنسبة إليه أكثر من مجرد دخل؛ فهي إحدى علامات الانتقال إلى حياة مستقلة. ولذلك فإن التأخر في تحقيق الزواج، أو السكن، أو العمل المستقر بسبب ظروف اقتصادية عامة قد يتحول نفسياً إلى شعور شخصي بالفشل وهنا يقع بعض الشباب في خطأ مؤلم: تحويل أزمة اقتصادية جماعية إلى اتهام للذات.
وتزيد المقارنات الاجتماعية الأمر تعقيداً. فالشخص الذي يواجه ضغطاً مالياً يشاهد عبر وسائل التواصل الاجتماعي صور السفر والمنازل الجديدة وحفلات الزواج والمشتريات والنجاحات المهنية، من دون أن يرى الظروف الكاملة التي تقف وراء تلك الصور، ليتحول السؤال من: كيف أتعامل مع غلاء المعيشة؟ إلى: لماذا يتقدم الآخرون بينما أتأخر أنا؟
من الأكثر عرضة للعبء النفسي؟
تشير الدراسات مجتمعة إلى أن أثر الضغوط الاقتصادية يشتد عادة عندما تكون الموارد التي تحمي الإنسان قليلة، الشاب منخفض الدخل أكثر هشاشة من صاحب المدخرات، والعاطل عن العمل أكثر تعرضاً للقلق المالي من صاحب العمل المستقر ومن يتحمل مسؤوليات إعالة أسرة قد يشعر بضغط أكبر من شخص لا يزال يحصل على دعم عائلي.
كما يمكن أن يصبح الخطر أعلى عند اجتماع عدة عوامل في الوقت نفسه دخل محدود، بطالة، ديون، ارتفاع الإيجار، انعدام أمن غذائي، ضعف الدعم الاجتماعي، أو وجود مشكلات نفسية سابقة، لذلك لا يمكن قياس أثر التضخم من خلال نسبة ارتفاع الأسعار وحدها وإنما من خلال مقدار المساحة المالية والنفسية المتبقية لدى الإنسان لمواجهة هذا الارتفاع.
متى يصبح القلق المالي مشكلة صحية؟
من الطبيعي أن يشعر الإنسان بالقلق عندما ترتفع نفقاته، وليس كل خوف من المال اضطراباً نفسياً لكن القلق يستحق اهتماماً أكبر عندما يصبح مستمراً ويبدأ بالتأثير في الحياة اليومية، وقد يظهر ذلك في صورة أرق متكرر، واجترار مستمر للأفكار المتعلقة بالمال وصعوبة في التركيز، وسرعة الانفعال، وانخفاض الدافعية، وفقدان الاهتمام بالأنشطة المعتادة والانسحاب من الآخرين والشعور المستمر بالعجز أو اليأس.
وإذا استمرت هذه الأعراض أو أصبحت شديدة وأثرت في الدراسة أو العمل والعلاقات والحياة اليومية، فمن المناسب استشارة مختص بالصحة النفسية أما ظهور أفكار بإيذاء النفس أو عدم الرغبة في الحياة فيتطلب طلب مساعدة عاجلة من خدمات الطوارئ أو الخدمات الصحية المتاحة محلياً.
ماذا يستطيع الشاب أن يفعل؟
لا يمكن علاج التضخم بالنصائح النفسية ومن الخطأ اختزال أزمة اقتصادية حقيقية في عبارة مثل فكر بإيجابية لكن يمكن تخفيف جزء من العبء النفسي من خلال استعادة أكبر قدر ممكن من الإحساس بالسيطرة، ويبدأ ذلك بوضع ميزانية واقعية وليست عقابية، وتحديد المصروفات الأساسية، ومراجعة النفقات في أوقات محددة بدلاً من متابعة الأسعار والحسابات بصورة قهرية طوال اليوم، والتقليل قدر الإمكان من القرارات الشرائية الاندفاعية الناتجة عن التوتر.
ومن المهم أيضاً فصل القيمة الذاتية عن الوضع المالي. فتأخر الزواج، أو عدم القدرة على شراء منزل، أو صعوبة الحصول على وظيفة مستقرة في ظرف اقتصادي قاسٍ لا تمثل حكماً على قيمة الإنسان أو كفاءته، كما أن الحفاظ على النوم والنشاط البدني والعلاقات الاجتماعية والأنشطة البسيطة منخفضة التكلفة يمثل جزءاً مهماً من حماية الصحة النفسية فالعزلة الكاملة بهدف تقليل الإنفاق قد توفر بعض المال، لكنها قد تزيد الضيق النفسي والحديث الصريح عن الضغوط المالية داخل الأسرة أو بين الزوجين أفضل من كتمانها حتى تتحول إلى نزاعات أو شعور بالعار.
المشكلة ليست فردية
لعل أهم ما تكشفه هذه الدراسات أن حماية الصحة النفسية للشباب لا ينبغي أن تقوم على مطالبتهم بأن يصبحوا أكثر قدرة على التحمل فقط، فإذا كانت البطالة، وانعدام الأمن الغذائي، وصعوبة السكن وتراجع القدرة الشرائية ترتبط جميعها بالصحة النفسية، فإن سياسات تشغيل الشباب والحماية الاجتماعية ودعم السكن والغذاء وإتاحة خدمات الصحة النفسية ليست ملفات منفصلة ويمكن للجامعات أيضاً أن تلعب دوراً أكبر عبر خدمات الإرشاد النفسي، والمساعدات الطارئة للطلبة، وبرامج الغذاء، والدعم المهني، وتوفير مسارات سهلة للوصول إلى المساعدة النفسية.
كما ينبغي أن يأخذ اختصاصيو الصحة النفسية في الاعتبار الظروف الاقتصادية للمراجع. فحين يقول شاب إنه لا ينام من القلق، قد لا يكفي أن نسأله عما يفكر فيه؛ بل ينبغي أيضاً أن نسأل هل لديه عمل؟ هل يستطيع دفع الإيجار؟ هل يملك ما يكفي من الغذاء؟ وهل يشعر أن مستقبله المالي مهدد؟
في 10 أكتوبر.. استمعوا إلى ما وراء الأرقام
يتوافق ذلك مع دعوة اليوم العالمي للصحة النفسية لعام 2026 إلى الإنصات لأصحاب التجارب الحقيقية وإعطاء أصواتهم دوراً في تغيير الخدمات والسياسات، حيث وراء أرقام التضخم توجد قصص بشرية: شاب يؤجل زواجه، وطالبة تقلل وجباتها، وخريج يخشى ألا يجد عملاً، وموظف يكتشف أن راتبه لم يعد يغطي احتياجاته وأسرة شابة تعيد حساب كل قرار في حياتها، وإن الأمن الاقتصادي والأمن النفسي ليسا عالمين منفصلين.
فالصحة النفسية لا تتشكل داخل عقل الإنسان فقط، وإنما تتأثر أيضاً بالعمل والسكن والطعام والدخل والشعور بالأمان والقدرة على تصور المستقبل، ولهذا فإن حماية صحة الشباب النفسية في زمن التضخم تحتاج إلى مسارين متوازيين: الأول يساعد الإنسان على فهم الضغوط التي يعيشها، وتنظيمها، والحصول على الدعم عندما يحتاج إليه؛ والثاني يعالج الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي تنتج جزءاً من هذه الضغوط.
فالتضخم قد يظهر في نشرات الأخبار على هيئة نسبة مئوية، لكنه قد يظهر في حياة الشباب على هيئة أرق، وقلق، وتأجيل للأحلام، وخوف من الغد، وشعور متكرر بفقدان السيطرة والاستماع إلى الشباب في اليوم العالمي للصحة النفسية لا يكتمل بسماع قصصهم فقط؛ بل يبدأ حين تتحول هذه القصص إلى فهم أعمق للصحة النفسية، وإلى سياسات تجعل الاحتياجات الأساسية أكثر أمناً، والحياة أكثر قابلية للتخطيط، والمستقبل أقل تهديداً.








اضافةتعليق
التعليقات