نعيش اليوم في عصرٍ أُزيحت فيه تجربة العيش المباشرة لصالح تمثيل العيش، فالإنسان الذي كان يرتشف قهوته قديماً ليتذوق دفئها الخالص، وينظر إلى شروق الشمس ليملأ رئتيه بالسكينة والاطمئنان، بات اليوم يقف خلف كادر زجاجي ضيق ومحكوم فلقد تسللت الشاشات الرقمية إلى أعمق تفاصيل أيامنا وأكثرها حميمية وسرية، وتحولت الظاهرة التي تبدو في ظاهرها عفوية وبسيطة إلى تحول فلسفي ونفسي خطير، يُعرف بـ "هوس توثيق الروتين اليومي"، فلم يعد المشهد اللامع محصوراً في شريط سينمائي أو في المناسبات الكبرى، بل تحولت التفاصيل البسيطة كطريقة إعداد القهوة، ترتيب السرير، فتح الستائر، وقطع شريحة الخبز إلى مشهد مسرحي يُخرج بعناية، يُسجل، يُعدل، ويُعرض للعامة كي ينالوا بركته بالـ "إعجاب" والـ "تعليق".
إن المشكلة الحقيقية تتجلى في هذا المسرح اليومي حين يضع الشاب أو الفتاة الكاميرا في زاوية الغرفة، ثم يعودون إلى الخلف بضع خطوات ليمثلوا حركة استيقاظهم بـ "براءة" مصطنعة، يفرغون اللحظة من تلقائيتها الصادقة ليلبسوا إياها ثوباً من التصنع والألوان الهادئة، إنهم يحولون العادي إلى استعراض دائم، وكأن المرء في القرن الحادي والعشرين لا يطمئن إلى وجوده ولا يوقن بأنه حي يرزق إلا إذا شهد عليه الآخرون عبر الشاشة.
وحين تصبح الكاميرا وسيطاً دائماً بينك وبين عالمك فإنك تفقد الاتصال المباشر بالواقع، تعيش اللحظة بعين المخرج المبتذل لا بقلب الإنسان الحاضر، و بدلاً من أن تسرح في التفاصيل بذهن صاف، تشغل بالك بأسئلة التقنية المجهدة: هل الإضاءة مناسبة؟
هل الزاوية صحيحة؟
ما الموسيقى التي ستستر عورة هذا الفراغ؟
وهكذا تحولنا من صُناع ذكريات نكتفي بوجودها في وجداننا، إلى جامعي مشاهد نلتقطها لنعرضها للغرباء، وفي سبيل ذلك نسرق من اللحظة سحرها وقداستها وخصوصيتها، و يتعاظم الخطر حين ينقل هذا النمط المعروض ما يُسمى بـ "وهم النظام المطلق"، إذ نرى روتيناً هادئاً، إضاءة ناعمة، موسيقى بيانو تفيض بالسكينة، وغرفاً مرتبة بنقاء لا تمسه فوضى، وأشخاصاً يبتسمون بلا إنهاك أو ذبول.
إن هذه المشاهد الممنتجة تخلق واقعاً موازياً يناقض الطبيعة البشرية، فمن يملك رفاهية الاستيقاظ بلا قلق، والتحرك بنسق موسيقي لا تخالطه زفرة تعب ف أين زوايا الحياة الحقيقية في هذه المشاهد؟ أين الفوضى التي يخلفها السعي والركض؟
أين التعب الذي ينخر الأجساد بعد يوم عمل طويل وأين الإحباط والحزن والكسل الذي هو جزء أصيل ومستحق من صيرورة الإنسان؟
إن هذه الفيديوهات تُصدر ثقافة الكمال الزائف، وتجعل المشاهد العادي الذي يرى غرفته غير مرتبة ويومه مليئاً بالارتباك والتشتت، يشعر بالتقصير الدائم والذنب القاتل، لقد حولت هذه الثقافة الرقمية الحياة البسيطة إلى سباق محموم نحو كمال خيالي لا وجود له، متناسية أن الجمال الحقيقي يكمن دائماً في التلقائية، وفي الحقيقة إن هذا الهوس ليس مجرد سلوك فردي عابر، بل هو استجابة لثقافة رقمية تجبرنا على سلعنة ذواتنا، حيث تحول الإنسان من كائن مستمتع بالتجربة إلى منتج لمادة استهلاكية، وتحولت الأيام إلى خط إنتاج مستمر للمشاهد القابلة للبيع والتداول.
وهنا يتوجب علينا أن نتساءل بكل شجاعة ووضوح: لماذا هذا الإصرار القهري على مشاركة الروتين، هل هو ظمأ نفسي للتقدير والتأكيد على أن "حياتي ذات قيمة وجمال" أم هو هروب من الفراغ الداخلي والوحدة الموحشة عبر خلق مجتمع وهمي ينتهي بانتهاء مدة الفيديو؟
إن الإجابة تكشف عن هوان العصر الرقمي، حيث أصبح الاعتراف بالوجود مشروطاً باستهلاك الآخرين له، و إن العودة إلى الاتزان لا تعني معاداة التكنولوجيا ولا الدعوة لإبادة التوثيق، بل تعني إعادة الاعتبار للحياة الخفية، الحياة التي لا تراها عدسة، ولا تقيمها كبسات الإعجاب ولا عدد الزيارات، فالجمال الحقيقي للروتين اليومي ليس في أن يراه الناس متناسقاً وبديعاً، بل في أن تشعر أنت بجدواه ودفئه، حتى لو كان عادياً، وبسيطاً، وفوضوياً.
فدع الكاميرا جانباً في بعض الأحيان، اشرب قهوتك وهي دافئة دون أن تنتظر ضبط الزاوية، واستمتع بيومك كما هو بكل عفويته، وعثراته، وهدوئه بعيداً عن أضواء المسرح الضيقة، اختبر الحياة بقلبك لا بعين المتابع فاللحظات الأكثر قيمة في العمر هي تلك التي نعيشها بكامل حواسنا دون أن نملك صورة واحدة نثبت بها للآخرين أننا كنا هنا، فالمأساة الحقيقية ليست في أنك تمثل حياتك أمام الكاميرا كي يقتنع الآخرون أنك بخير، بل في أنك ومع تكرار الإخراج والمشاهد ستنسى وجهك الحقيقي، وتعيش بقية عمرك مقتنعاً بأن العرض كان هو حياتك، وأنك لم تكن سوى ممثلا بديلا لشخص كان يفترض أن يكون "أنت".








اضافةتعليق
التعليقات