كثيراً ما تكون الاستعانة بمستشارين خارجيين قراراً خاطئاً، وهذا واقع عايشته على مدى ثلاثين عاماً. وبالتأكيد، فإن للمستشارين الخارجيين تأثيراً إيجابياً كبيراً في بعض الأحيان، إذا كانت هناك حاجة فعلية إلى خبراتهم. ولكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الاستعانة بهم إلى إجراء روتيني، أو عندما تُمنح آراؤهم أولوية على آراء أصحاب الخبرة داخل المؤسسة.
ومن خلال تجربتي الطويلة، أرى أن هناك عدداً من الإشكالات التي ينبغي الانتباه إليها عند الاستعانة بالمستشارين الخارجيين.
معرفة سطحية بواقع معقد
لا أعتقد أن المستشارين الخارجيين قادرون، خلال فترة قصيرة لا تتجاوز ستة أشهر، على معرفة مؤسسة أو شركة كبيرة بكل تفاصيل بيئتها الداخلية والخارجية. وهذا لا يعني أنهم لن يتمكنوا من معرفة بعض الخطوط الرئيسية، لكن المشكلة تكمن في أن هذه المعرفة قد تكون جزئية وغير كافية.
فقد يقابل المستشار مئة فرد، ويستمع إلى آراء متناقضة، بعضها غير صحيح، وبعضها الآخر جزئي أو مبالغ فيه. وهنا تظهر إحدى مشكلات المستشارين الخارجيين، وهي عدم معرفتهم التفصيلية بالواقع، حتى لو امتلكوا خبرة كبيرة في مؤسسات عالمية أو تجارب ناجحة في دول أخرى.
وقد يقول قائل إن هؤلاء المستشارين مُنحوا الفرصة الكافية للتعرف إلى المؤسسة، وزُوّدوا بالتقارير والمعلومات الضرورية. وهذا صحيح، لكن الواقع أكثر تعقيداً مما تعكسه التقارير.
فمن الصعب على المستشار الخارجي قياس مستوى انخفاض المعنويات بين الموظفين، والأصعب من ذلك تحديد أسبابه الحقيقية. والأمر نفسه ينطبق على الإنتاجية، وجودة الأداء، والأدلة التشغيلية، وكفاءة المسؤولين، وحالتهم النفسية، وطبيعة الثقافة المحلية.
ولذلك، قد يقع المستشارون في أخطاء كبيرة عند تقييم الواقع أو تحديد الطموحات المستقبلية، فيصفون بعض العاملين بالفشل لقلة إنجازاتهم، بينما قد يكون هؤلاء متميزين بالفعل، لأنهم حققوا تلك الإنجازات في ظروف بالغة الصعوبة.
المجاملة على حساب الحقيقة
كثيراً ما تؤثر المجاملة في آراء المستشارين الخارجيين؛ لأن المسؤولين عن المؤسسة هم الذين استدعوهم. ولهذا قد تتسم تقاريرهم بالدبلوماسية والعموميات، وتفتقر أحياناً إلى النقد العميق للأوضاع السلبية.
وقد يكون هذا التحفظ ناتجاً عن الحذر؛ إذ يصعب على المستشار، خلال فترة قصيرة، توجيه انتقادات حادة أو اتهامات لطرف معين، أو تقديم اقتراحات محددة من دون معرفة شاملة بالواقع.
ومن أبرز الأخطاء أيضاً الاعتماد المفرط على التقارير والمقابلات، مع أنها قد لا تعكس الحقائق كاملة.
وقد قابلتُ أحد المستشارين الخارجيين، وعندما عرضت عليه رأيي في إحدى القضايا، قال لي: «هذه أول مرة أسمع فيها هذا الكلام»، على الرغم من أنه قابل عدداً كبيراً من العاملين في المؤسسة. والمشكلة أن كثيراً ممن قابلهم لم تكن لديهم سوى معرفة جزئية بالموضوع الذي تحدثوا عنه.
حين يتراجع المستشار عن رأيه
لا شك في أن بعض المستشارين يقدمون آراء صحيحة ومفيدة، ولا سيما إذا استمر عملهم مع المؤسسة فترة طويلة. لكنهم قد يلاحظون أن آراءهم غير مقبولة لدى بعض المسؤولين، فلا يحاولون الدفاع عنها بقوة، ويكتفون بطرحها، ثم ينتظرون قرار المسؤولين لتحديد الخطوة التالية.
وهكذا قد تفقد الاستشارة قيمتها الحقيقية، عندما تصبح مرتبطة برضا الإدارة أكثر من ارتباطها بصحة التشخيص وفاعلية الحلول.
الخبرات الداخلية.. ثروة مهملة
تضم كل مؤسسة عدداً من أصحاب الخبرة والإخلاص، ومن بينهم موظفون سابقون استقالوا أو تقاعدوا، ويمكن الاستفادة من معارفهم وتجاربهم.
وقد يكون هؤلاء أفضل من المستشارين الخارجيين في فهم واقع المؤسسة؛ لأنهم يمتلكون ذاكرة مؤسسية طويلة، ومعرفة بطبيعة العمل، وبالمسؤولين والموظفين ومؤهلاتهم وكفاءاتهم.
فمن أمضى عشر سنوات أو عشرين سنة في مؤسسة معينة يعرف عنها تفاصيل يصعب على مستشار خارجي اكتشافها خلال شهر أو حتى سنة.
ولهذا ينبغي أن نعتمد بدرجة أكبر على المستشارين الداخليين وأصحاب الخبرات المتراكمة، بدلاً من تجاهلهم والبحث دائماً عن الحلول خارج المؤسسة.
المستشار شريك في التخطيط لا قائده
من الأخطاء الكبيرة منح المستشارين الخارجيين دوراً قيادياً في إعداد الخطط، وتحويل العاملين في المؤسسة إلى أصحاب أدوار ثانوية.
فسرعان ما يتضح أن هؤلاء المستشارين يخططون لواقع لا يعرفونه بصورة كافية، مما قد يدفع العاملين إلى التشكيك في كفاءتهم والسخرية من الخطط التي يضعونها.
والأصل أن يكون دور المستشار الخارجي مساعداً ومكملاً، عندما تكون هناك حاجة فعلية إلى خبراته، ولا يمكن تحديد هذه الحاجة إلا بعد تشخيص دقيق للأوضاع الداخلية والخارجية.
فإذا اكتشفنا نقصاً في معرفة مفاهيم التخطيط، يمكن الاستعانة بمستشار خارجي لتدريب العاملين عليها. وإذا وجدنا ضعفاً في معنويات الموظفين، فقد نستفيد من خبير متخصص يساعدنا على معالجة هذه المشكلة.
أما أن تصبح الاستعانة بالمستشارين إجراءً إجبارياً يتكرر مع كل خطة خمسية، بهدف إقناع الجهات العليا بأن الخطة أُعدت بمشاركة خبراء أجانب يمتلكون خبرات لا تتوافر لدينا، فهذا عمل أقرب إلى الاعتبارات السياسية والإدارية منه إلى التخطيط العلمي، ولا يغير شيئاً من ضعف الخطة.
ولو كانت الاستعانة بالمستشارين الخارجيين كافية لإنتاج خطط ناجحة، لحققت بعض دولنا تقدماً يضاهي اليابان. لكن الواقع يشير إلى أن كثيراً من المؤسسات لم تتحسن أوضاعها، على الرغم من تعاقب الخطط الاستراتيجية التي شارك في إعدادها خبراء خارجيون.
التخطيط ليس تخصصاً واحداً
كثيراً ما يركز المستشارون الخارجيون على جانب محدد من التخطيط؛ مثل الأبحاث العلمية في المعاهد، أو التعليم في وزارات التربية، أو الطب في وزارات الصحة.
وفي المقابل، قد يتجاهلون جوانب أساسية، منها النظام الإداري، وكفاءة التخطيط، ومعنويات العاملين، وأنظمة المعلومات، والعلاقة بين البحث العلمي والتنمية، والعلاقة بين المجتمع والتعليم.
وهذه الجوانب لا تقل أهمية عن المجالات التخصصية، بل قد تكون أساس نجاحها.
فلا يمكن تحقيق النجاح في ظل التخلف الإداري، أو غياب الفهم الصحيح لمفاهيم التخطيط، كما لا يمكن أن ينجح البحث العلمي إذا لم يرتبط ارتباطاً وثيقاً باحتياجات الجهات المستفيدة.
ومن أسباب ضعف التخطيط أيضاً احتكاره من قبل متخصصين في العلوم أو الطب أو السياسة أو الاقتصاد، من دون امتلاكهم معرفة كافية بأسسه ومصطلحاته.
فالتخصص العلمي وحده لا يعني بالضرورة القدرة على إعداد الخطط الاستراتيجية وإدارة عمليات التطوير المؤسسي.
هل الخبرة الأجنبية أفضل دائماً؟
قال لي أحد المسؤولين ذات مرة: هل تمتلك خبرات المستشارين الأجانب الذين قدموا استشارات على مستوى العالم؟ ومن استعان بخبرتك أنت؟
وكان جوابي أن هذا نقاش سياسي وليس علمياً.
فقد امتدت خبرتي في مؤسستي ثلاثين عاماً، عملت خلالها في مجالات البحث العلمي، والتدريب، وإدارة المشاريع، والتخطيط، وسياسات البحث العلمي، والتطوير الإداري. وشاركت في إعداد خطط عديدة، وأجريت مئات المقابلات.
وباختصار، كانت المؤسسة بيتي، وأعرف تفاصيلها أكثر مما يعرفها المستشارون الأجانب.
ولم تقتصر معرفتي على الخبرة العملية، بل دعمتها بالقراءة النظرية، والدورات التدريبية، والمشاركة في المؤتمرات المتخصصة.
فالمستشارون الخارجيون لن يعرفوا بيتك أكثر منك، وكما يقال: «أهل مكة أدرى بشعابها».
وقد يكون بعض المسؤولين معذورين في ضعف ثقتهم بالكفاءات الوطنية، بسبب قلة المتميزين في بعض المجالات، لكن ذلك لا يعني أن المستشارين الخارجيين أقدر بالضرورة على قيادة التخطيط.
وأعتقد أن المستشارين المحليين قد يكونون أفضل من الأجانب في كثير من الحالات، لكن المشكلة أن بعض المسؤولين لا يثقون بهم، ولا يمنحونهم الفرصة لتطبيق أفكارهم.
الدراسات تكشف أصحاب الكفاءة
من مشكلات بعض المسؤولين أنهم يستمعون إلى آراء متناقضة من المديرين والمستشارين، فيصابون بالحيرة، أو يظنون أنهم أصبحوا على معرفة شاملة بالأوضاع.
لكن نجاح التخطيط يتطلب البحث عن الكفاءات الحقيقية داخل المؤسسة، ممن أثبتوا علمهم وإخلاصهم، وقد يكون بعض هؤلاء موظفين عاديين لا يشغلون مناصب قيادية.
ويمكن اكتشاف هذه الكفاءات من خلال إشراكها في الحوارات والنقاشات المتخصصة، وتكليفها بإعداد دراسات ومقترحات مكتوبة، مع منح أصحاب الآراء المخالفة الفرصة نفسها.
فمن السهل طرح الآراء والتحدث عن الأهداف والأولويات والتطوير الإداري وخدمة العملاء ومعايير الأداء، لكن عندما يُطلب من الجميع تقديم دراسات عميقة تستند إلى الأرقام والحجج والأمثلة، تظهر الفروق الحقيقية بين المعرفة والجهل.
ولهذا ينبغي للمسؤولين أن يشجعوا باستمرار إعداد الدراسات، سواء كانت المؤسسة بصدد إعداد خطة جديدة أم لا.
وعندها يمكن التمييز بين من لا يرى إلا القشرة الخارجية، ومن يغوص في أعماق المشكلات ويستخرج حلولها.
أما الاكتفاء بتداول الآراء العامة والنقاشات السطحية، فلن يؤدي إلى إعداد خطة صحيحة مهما تعددت الاجتماعات والاستشارات.
لا تدفن خبرتك بيديك
كما أننا لا نستطيع معرفة قدرات الشعراء من دون قراءة أشعارهم، فإننا قد لا نكتشف أصحاب الخبرات والمهارات المتميزة إذا لم يعرّفوا الآخرين بإنجازاتهم.
فكثير من أصحاب الكفاءة لا يهتمون بالتعريف بأعمالهم، مما يجعل الاستفادة من خبراتهم محدودة.
وقد قال لي الدكتور هشام غالب، رحمه الله، وكان رئيسي في العمل قبل ثلاثين عاماً: «اجعل 20% من وقتك للدعاية لما أنجزته من عمل».
والمقصود هنا ليس التفاخر أو السعي وراء المناصب، بل تعريف المسؤولين والزملاء والناس بالإنجازات والخبرات التي يمكن الاستفادة منها.
ومن الخطأ أن تظل إنجازات الموظف محصورة في معرفة رئيسه المباشر وعدد قليل من زملائه؛ لأن ذلك يحرم المؤسسة والمجتمع من فرص الاستفادة من خبراته.
فكما أن المبالغة في عرض المعرفة أمر غير محمود، فإن إخفاءها وعدم التعريف بها قد يكون ظلماً للنفس وللآخرين.
إن نجاح المؤسسات لا يتحقق بمجرد استقدام الخبراء، أو إعداد خطط تحمل أسماء شركات استشارية عالمية، بل يبدأ باكتشاف الكفاءات الحقيقية، والاستماع إلى أصحاب المعرفة، وتحليل المشكلات بعمق، ثم الاستعانة بالخبرات الخارجية عند الحاجة الفعلية إليها.
فالمؤسسة لا تحتاج دائماً إلى من يخبرها كيف تعمل، بقدر ما تحتاج إلى من يفهم أولاً كيف تعمل، ولماذا تتعثر، وما الذي يمكن أن يجعلها أفضل.








اضافةتعليق
التعليقات