ما أشبه وضع التخطيط مع العرب اليوم بوضع عنترة مع بني عبس، فقد كان بني عبس يرون أن عندهم رجال قادرون على الدفاع عن القبيلة وأن عنترة لا يحسن غير حلب النوق ولكن عندما بدأ الهجوم على بني عبس عرفوا أهمية عنترة لتفادي الهزيمة وتحقيق النصر، واتضح ضعف رصيدهم من القوة والحكمة والشجاعة. ويعيش التخطيط بين العرب مثلما كان يعيش عنترة بين بني عبس قبل أن يعرفوا أهميته، فأجهزة التخطيط هامشية وضعيفة والعمليات التخطيطية لأغلب الدول والمؤسسات هزيلة وضعيفة لا تحقق إصلاح ولا تقدم فكثير من الخطط هي خطط وهمية لأنها هزيلة ولم تتبنى الأسلوب العلمي الصحيح في إعدادها وإذا سألت كثير من المسئولين فسيقولون عندنا خطط وصرفنا عليها الكثير من الجهد والمال، وإذا اطلعت على هذه الخطط وتعمقت فيها قليلاً سترى أنها ليست خطط صحيحة أبداً. وتختلف الخطط في الدول والمؤسسات والإدارات لأنها تعكس ما في نفوس وعقول القياديين والمدراء العاملين من وعي وإخلاص وطموحات وأساليب واقتناعات. وتعالوا لنرسم ونتخيل أنواع الخطط في عالمنا العربي وسنجد ما يلي:
1- الخطة السياسية
هناك خطط أشبه ما تكون بكلام كثير من السياسيين عندما يتحدثون عن المستقبل ويعطون وعوداً بأنهم سيصلحون الأوضاع، وسيوجدون فرص عمل، وسيهتمون بتطوير التعليم وبنظافة المدينة وغير ذلك بدون أن يحددوا كم فرصة عمل ستوجد؟ وماذا سينجزون في مجال التعليم؟ وكيف سيعاقبون الفاسدين؟ ... الخ. فنجد الخطة السياسية تتكلم عن أهداف عامة أو توجهات وليس أهداف محددة وتوقيتات زمنية وميزانيات واضحة وتطويرات إدارية وغير ذلك، ومعروف أن السياسيين عموماً لا يحبون الدقة والوضوح، وقال أحد السياسيين الغربيين: مشكلتنا مع الناس أننا نعتبر وعودنا مجاملات وهم يعتبرون مجاملاتنا وعود.
فالخطة السياسية إذن كلام جميل يحاول أن يرضي الجميع بدون الالتزام ببرنامج محدد للعمل، وليس معنى هذا أنه خلال تنفيذ الخطة السياسية لن تكون هناك إنجازات بل ستكون هناك إنجازات قليلة ولكن لا يوجد علاقة واضحة بينها وبين الخطة ولم تكن محددة في الخطة حتى يتم قياسها والمحاسبة على التقصير فيها، ومثل هذا قول الابن لأبيه: يا أبي سأجتهد هذا العام في الدراسة بدون أن يحدد كم ساعة سيدرس يومياً، وما هي النتيجة التي سيحققها في الامتحانات فقد يجتهد ويرسب بثلاث مواد بدلا من ست مواد في العام الماضي.
2- الخطة الروتينية
كثير من الخطط السنوية والخمسية هي امتداد لما يتم حالياً. من أعمال وما يتم تحقيقه من إنجازات، وما يتم استخدامه من أساليب، فإذا كانت المؤسسة ناجحة فستكرر ما تعمله وكذلك المؤسسة الفاشلة وما بين هاتين المؤسستين، فإذا قرأت الخطة الاستراتيجية والتشغيلية لم تجد تغيير عما يتم عمله حالياً أي نفس الأهداف والأساليب والميزانيات والهيكل التنظيمي والأفراد ... الخ والنتيجة أنه لا يوجد تغيير وتطور عما عليه الوضع الحالي وإذا كانت المؤسسة ناجحة فإن الخطة الروتينية تكون نافعة لمدى محدد وبعدها لن تكون ناجحة، لأن الظروف تتغير كما أن النجاح يمكن أن يتم تطويره ليصبح أكثر نجاحاً والشركة الناجحة يمكن أن تطور الجودة أكثر وأكثر وهكذا، وتعكس الخطة الروتينية الرضا بالأوضاع وغياب الطموح. ونجد الخطة الروتينية منتشرة حتى في حياتنا الأسرية فلو سلطت الأضواء على خطة الطعام لسنتين للأسر لوجدت أن الأغلبية الساحقة من هذه الأسر كررت عاداتها الغذائية في السنة الأولى، أي نفس الأطعمة ونفس طريقة الطبخ، ونفس مواعيد الأكل، وعموماً ليس معنى الخطة الروتينية أنه لن تحدث بعض التغييرات بل معناها أن الغالبية من الأعمال مكررة.
3- الخطة السرابية
هناك تغييرات لا ينتج عنها أي تقدم للأمام فإذا كنت في صحراء تبحث عن ماء وشاهدت ماء وبذلت جهد (تغيير) للوصول إليه فوجدته سراب فأنت لم تحقق تقدم أي لم تصل إلى الماء مع أنك بذلت مجهوداً وكم من تغيرات في أنظمة حكم أو قياديين أو وزراء أو مدراء ولكن لم تنجح هذه التغييرات في تحسين الواقع بل أحياناً تزيده سوءاً.
ومن الأمثلة الإدارية: أن كثيراً ما تكون هناك تغييرات في الهيكل التنظيمي ليست ذات تأثير إيجابي وهذا ينطبق على إحداث تغييرات في الأفراد أو الميزانيات أو أساليب العمل، فلا نجد هذه التغييرات حققت تقدماً في إنجازات كمية أو نوعية أو كلاهما، وهناك عبارة تقول عن مثل هذه التغييرات تغيير بلا تقدم أي احتوت الخطة السرابية على تغييرات فعلية ولكن لن تحقق إنجازات أفضل من التي يتم إنجازها حالياً قبل التغيير.
4- الخطة الخيالية
قد يأتي قيادي ذو طموحات كبيرة فيريد أن يوصل المؤسسة في عشر سنوات أو عشرين سنة إلى مستوى عالمي فيعمل خطة ويستعين بخبراء خارجيين ويضع أهداف كبيرة، ولكن مثل هذه الخطة ستفشل أو حتى لن يتم تنفيذها لأنها منفصلة عن الواقع وما فيه من بشر وإمكانيات، واقتناعات ولأنها ليست فعلاً نتيجة آراء جماعية لأغلب من في المؤسسة أي أن القيادي أو القياديين فرضوا هذه الخطة، ومن مبادئ التخطيط أن الخطة التي لا يمكن تنفيذها هي خطة فاشلة لأنها مبنية على واقع لم تعرف نقاط قوته وضعفه أو لأنها تحاول اقتناص فرص غير موجودة أي لا يمكن اقتناصها وخطة عادية الأهداف أو حتى متواضعة يمكن تنفيذها أفضل من خطة طموحة الأهداف لا يمكن تنفيذها، ومن الخطأ عمل أهداف طموحة والقول لننفذ ربعها، فالمخطط الناجح يضع الأهداف التي يمكن تحقيقها أو أعلى منها بقليل وأي خطة يمكن تنفيذها حتى لو كانت طموحاتها عالية جداً هي خطة واقعية، فالخطة المثالية هي التي لا يمكن تنفيذها وفي أحسن الأحوال يتم تنفيذ بعضها وهذا ليس نجاح بل يسبب إحباط ومشاكل.
5- خطة المدير:
كثيراً ما تكون الخطط متأثرة بدرجة كبيرة جداً بآراء الحاكم أو الوزير أو المدير أي يتم صناعتها بناءً على رأي فردي أو انفرادي، أي هي رأي فرد أو أفراد محددين وليست نتيجة عمل جماعي شاركت به عقول كثيرة، وقد يتم مشاورة أعداد كبيرة من الناس ولكن أي نظرة للخطة ستوضح أن الآراء التي تم اعتمادها في الخطة هي آراء المسئول الأول أو بعض الأفراد وعادة تكون هذه الخطط الفوقية فاشلة، لأنه لم يشارك بها الإدارة الوسطى والعاملين، والشعب وهذه الخطط ستعكس ما في عقل ونوايا القيادي من وعي وإخلاص.
فالمدير الطموح سيعطيك خطة مثالية، والمدير اليائس سيعطيك خطة بلا طموحات، والمدير الفاسد سيعمل خطة تخدم مصالحه وصحيح أن المدير له دور أساسي في الخطة ولكن يجب ألا يزيد عن ٢٠٪ من التأثير ولكن هذه النسبة ترتفع كثيراً في ظل وجود كثير من المنافقين والصامتين، فتجد الخطة متأثرة بما شاهده المدير عندما زار مؤسسة أجنبية أو متأثرة بشخص المدير فهو صنعها بتخصصه الفني أو الإداري أو المالي أو غير ذلك.
6- خطة مشوهة
كثير من الخطط تفتقد بعض أو أحد مكونات الخطة الصحيحة فتجد خطة بلا أهداف محددة أو بلا ميزانية أو بلا حوافز لتنفيذها أو بلا تحديد للمسئولين عن التنفيذ أو بلا وسائل صحيحة لتنفيذها أو غير ذلك وهذه خطط مشوهة لا يمكن تنفيذها. وهناك خطط كثيرة متواضعة الأهداف لا تستغل حتى ٢٥ من طاقات المؤسسة وهذا وغيره يفرض علينا أن نعترف أننا ظلمنا التخطيط فخسرنا أكثر مما خسر بني عبس عندما تجاهلوا أهمية عنترة.
7- خطة الشعب
يجب أن تعكس الخطة آراء ثلاث جهات رئيسية: الإدارة العليا، وإدارة السياسات والتخطيط، والإدارات التنفيذية وأن يكون تأثير كل جهة هو الثلث فالإدارة العليا تنظر للأمور من فوق وترى الصورة الشمولية وتتصل بالعملاء وإدارة السياسات والتخطيط تعرف علم التخطيط وهي جهة محايدة ولديها مسئوليات التطوير الإداري وإعداد الخطط ومراقبة تنفيذها ولديها دراسات كثيرة وقد يكون تابع لها دائرة التسويق أو بعض الدوائر الهامة في المؤسسة أما الإدارات التنفيذية فهي العاملين (الشعب) وقد يكون من أعد الخطة هي الإدارات التنفيذية وكان دور الإدارة العليا وإدارة السياسات والتخطيط محدود جداً أو حتى غير موجود أي أن الخطة النهائية هي تجميع للخطط التي كتبتها الإدارات التنفيذية ومثل هذه الخطط الشعبية تكون ذات نظرة جزئية وقد لا يوجد فيها أي تطوير إداري أو تسويقي أو تخطيطي ولن يكون فيها تكامل ولا معرفة بهموم ومعلومات الإدارة العليا وإدارة السياسات والتخطيط.








اضافةتعليق
التعليقات