لا يقتصر الضحك على كونه وسيلة للتسلية أو التعبير عن الفرح، بل تشير أبحاث علمية إلى أن له آثارًا إيجابية يمكن أن تنعكس على الصحة الجسدية والنفسية، من تحسين تدفق الدم إلى خفض مستويات التوتر وتعزيز الشعور بالرفاه.
فالضحك من القلب لا يحرّك المشاعر فحسب، وإنما يترك تأثيرًا واضحًا في الجسم؛ إذ يؤدي إلى اتساع الصدر وزيادة دخول الأكسجين، كما ينشط الدورة الدموية، ويُحدث تغيرات كيميائية تساعد بطانة الأوعية الدموية على التمدد، ما يسهم في تحسين تدفق الدم.
ويصف الكوميدي الأمريكي كريغ شوميكر الضحك بأنه أشبه بنوع من التمارين الجسدية، إذ تتسع الرئتان وينشط ضخ الدم وتتحرك عضلات متعددة في الجسم أثناء نوبات الضحك.
وتدعم بعض الدراسات العلمية هذه الفوائد. فقد خلصت مراجعة منهجية، شملت ثماني دراسات صغيرة وقصيرة المدى أُجريت بين عامي 1989 و2021، إلى وجود ارتباط بين الضحك وانخفاض مستويات هرمون الكورتيزول المسؤول عن استجابة الجسم للتوتر بنحو 30%.
وأوضحت طبيبة الغدد الصماء والباحثة كارولين كرامر، الأستاذة المساعدة في جامعة تورنتو، أن نتائج دراسة أجراها فريقها عام 2023 حول تأثير الضحك العفوي في استجابة الجسم للتوتر أظهرت أن عشر دقائق فقط من الضحك يمكن أن تخفض مستوى الكورتيزول بصورة ملحوظة.
وترى كرامر أن التدخلات البسيطة التي تعزز الرفاه النفسي لا تحظى دائمًا بالاهتمام نفسه الذي تحظى به العلاجات الطبية التقليدية، رغم أن أثرها قد يكون مهمًا في تحسين نوعية الحياة والتعامل مع الضغوط اليومية.
ويؤدي الضحك كذلك دورًا في تخفيف حدة المشاعر السلبية. فخلال لحظات الضحك قد يشعر الإنسان بأنه أكثر قدرة على الابتعاد مؤقتًا عن القلق والغضب والتوتر، ما يمنحه فرصة لاستعادة التوازن النفسي والنظر إلى المواقف الصعبة من زاوية مختلفة.
ويؤكد شوميكر، الذي أصبح مهتمًا باستخدام الكوميديا لتعزيز الرفاه، أن الفكاهة يمكن أن تساعد الأشخاص على إعادة ضبط حالتهم النفسية واستعادة النشاط والشعور بقدر أكبر من السيطرة، خصوصًا في الأوقات التي تزداد فيها الضغوط.
وقد دفعته تجربة شخصية مع أحد أصدقائه المصابين بسرطان الدماغ إلى الاهتمام بصورة أوسع بالعلاقة بين الضحك والقدرة على الصمود أمام المرض. فبعد تشخيص صديقه كاتب السيناريو مايكل غولدبرغ بالمرض، عمل شوميكر على تطوير طرق لإدخال الكوميديا والمرح إلى تجربته العلاجية، بهدف تخفيف الضغط النفسي المصاحب للمرض والعلاج.
ولا يعني ذلك أن الضحك يعالج الأمراض الخطيرة أو يحل محل الرعاية الطبية، لكنه قد يكون وسيلة مساندة لتحسين الحالة النفسية وتعزيز القدرة على التعامل مع الظروف الصعبة.
ومع الضغوط المتزايدة التي يعيشها الإنسان في حياته اليومية، من الأعباء الاقتصادية إلى الأزمات الاجتماعية والصراعات والأخبار المقلقة، قد يكون تخصيص مساحة للضحك أكثر أهمية مما يبدو.
فالضحك لن يزيل المشكلات، لكنه قد يساعد الجسم والعقل على التعامل معها بصورة أفضل، ويمنح الإنسان لحظات من الراحة النفسية والتواصل الاجتماعي. ولذلك قد تكون المقولة الشائعة إن «الضحك دواء زهيد الثمن» أقرب إلى الحقيقة مما نتصور.








اضافةتعليق
التعليقات