لا تنتهي رحلة المرأة مع سرطان الثدي بمجرد انتهاء العلاج والتعافي من المرض؛ إذ قد تبدأ بعدها مرحلة مختلفة تحمل تحديات نفسية وجسدية واجتماعية، تدفعها إلى إعادة النظر في حياتها وأولوياتها وعلاقاتها بالآخرين. ورغم قسوة التجربة وما قد تتركه من آثار في جسد المرأة ونفسيتها، فإن بعض الناجيات استطعن تحويل محنتهن إلى نقطة انطلاق نحو حياة جديدة، حافلة بالعطاء والتوعية ومساندة الأخريات.
وتكشف تجارب ثلاث نساء لبنانيات، هن ماريا فرح فتوح وجيسيكا أبو جودة ونادين شماس، كيف يمكن أن تتحول مواجهة المرض إلى مصدر للقوة والإلهام، وكيف تصبح التجربة الشخصية وسيلة لإحداث تغيير إيجابي في المجتمع.
ماريا فرح فتوح.. من صدمة التشخيص إلى نشر الوعي
لم تتوقع ماريا فرح فتوح أن تواجه سرطان الثدي في الثامنة والعشرين من عمرها، خصوصاً أنها كانت حريصة منذ سنوات على مراقبة التغيرات التي تطرأ على جسمها وإجراء الفحوص الطبية بصورة منتظمة.
ورغم أن الفحص بالموجات فوق الصوتية الذي أجرته قبل أشهر لم يُظهر أي مشكلة، فإن ملاحظتها ظهور كتلة صغيرة في الثدي دفعتها إلى مراجعة الطبيب وإجراء فحوص إضافية، كشفت إصابتها بنوع شرس وسريع النمو من سرطان الثدي.
كانت لحظة التشخيص صادمة، لكنها قررت بعد فترة قصيرة مواجهة المرض وبدء العلاج، مستندة إلى دعم خطيبها وأسرتها وأصدقائها، فضلاً عن الصلاة والتواصل مع نساء سبق أن خضن التجربة نفسها.
وخلال رحلة العلاج الكيماوي والجراحة، واجهت ماريا صعوبات جسدية ونفسية، أبرزها فقدان الشعر والحاجبين والرموش والإرهاق الشديد. غير أن تلك التحديات لم تمنعها من التفكير في تحويل تجربتها إلى رسالة توعية.
فقررت الإعلان عن إصابتها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، في خطوة لم تكن سهلة آنذاك، بهدف تشجيع النساء، وخصوصاً الشابات، على الانتباه إلى أي تغير غير معتاد في أجسامهن وعدم تجاهل العلامات التي تستدعي الاستشارة الطبية.
ومنذ ذلك الحين، أصبحت ماريا ناشطة في التوعية بسرطان الثدي ومساندة المصابات، مؤكدة أن الشجاعة لا تعني إخفاء الخوف أو الحزن، بل الاعتراف بالمشاعر ومواصلة المواجهة رغم الصعوبات.
جيسيكا أبو جودة.. التعافي النفسي رحلة أخرى
أما جيسيكا أبو جودة، فقد اكتشفت إصابتها بسرطان الثدي عام 2020، عندما كانت في التاسعة والعشرين من عمرها، بعد أن لاحظت ظهور كتلة صغيرة تحت الإبط أخذت تكبر تدريجياً.
وجاء التشخيص في ظروف استثنائية، بالتزامن مع انتشار جائحة كورونا ووجود عائلتها خارج لبنان، مما جعل مواجهتها للمرض أكثر صعوبة.
ورغم ذلك، حاولت الحفاظ على تفاؤلها ومواصلة حياتها المهنية، حتى إنها كانت تحرص على الذهاب إلى العمل وقيادة سيارتها بعد جلسات العلاج.
لكن أزمة نقص الأدوية في لبنان اضطرّتها إلى السفر إلى دولة الإمارات العربية المتحدة لاستكمال علاجها، لتبدأ مرحلة جديدة من التحديات النفسية.
فبعد التعافي جسدياً، واجهت جيسيكا اكتئاباً شديداً ارتبط بتجربة المرض والانتقال إلى بيئة جديدة، فضلاً عن شعورها بالذنب لأنها استطاعت الحصول على العلاج بينما كان مرضى آخرون يواجهون صعوبات في تأمين أدويتهم.
ووصلت معاناتها النفسية إلى مرحلة خطرة، قبل أن تحصل على المساعدة من مركز متخصص يقدم خدمات الدعم النفسي لمرضى السرطان.
وكانت ممارسة اليوغا إحدى الوسائل التي ساعدتها على تحسين حالتها النفسية واستعادة توازنها، فقررت التعمق في هذا المجال والحصول على شهادات تدريبية متخصصة في اليوغا الموجهة للمصابين بالسرطان.
وهكذا تحولت من امرأة تبحث عن التعافي إلى مدربة تسعى لمساعدة أخريات على التعامل مع الضغوط النفسية المصاحبة للمرض، إلى جانب الرعاية الطبية والنفسية المتخصصة.
وتؤكد تجربتها أن التعافي من السرطان لا يقتصر على الجسد، بل يشمل أيضاً معالجة الآثار النفسية التي قد تستمر بعد انتهاء العلاج.
نادين شماس.. تجربة المرض تفتح أبواب الإبداع
وفي تجربة مختلفة، اكتشفت نادين شماس عام 2014 وجود ورم في الثدي أثناء ممارستها رياضة اليوغا، مما دفعها إلى طلب الاستشارة الطبية وإجراء الفحوص اللازمة.
ورغم أن التشخيص كشف الإصابة في مرحلة مبكرة للغاية، فإن رحلتها العلاجية لم تكن سهلة، إذ خضعت للجراحة ثم لعلاج هرموني استمر خمس سنوات.
وكانت هذه التجربة نقطة تحول في حياتها الشخصية والمهنية، إذ دفعتها إلى إعادة ترتيب أولوياتها والاهتمام بصحتها الجسدية والنفسية، بعدما كانت تواجه ضغوطاً متعددة بوصفها أماً وامرأة عاملة وفنانة.
وبدأت نادين اعتماد نمط حياة أكثر اهتماماً بالصحة، مع تخصيص مساحة للأنشطة والهوايات التي تمنحها الشعور بالرضا والتوازن.
ولم تتوقف عند حدود التغيير الشخصي، بل اتجهت إلى مشاركة تجربتها مع الآخرين، مستفيدة من مواهبها الفنية وقدراتها في الكتابة والتواصل.
وأصدرت كتاباً بعنوان *The Stage Is Yours* تناولت فيه جوانب من تجربتها الحياتية ورسائل موجهة إلى النساء، تدعوهن فيها إلى الاهتمام بأنفسهن، واكتشاف مواهبهن، وعدم إهمال احتياجاتهن تحت ضغط المسؤوليات اليومية.
كما واصلت نشاطها الفني وأصدرت ألبوماً غنائياً، معتبرة أن التعبير عن الذات والإبداع ومساعدة الآخرين يمكن أن تمنح الإنسان معنى جديداً للحياة بعد المحن.
ما بعد الشفاء.. أهمية الدعم النفسي والاجتماعي
تكشف هذه التجارب أن النجاة من سرطان الثدي لا تعني بالضرورة انتهاء جميع آثار المرض، فالمرأة قد تواجه بعد العلاج تحديات تتعلق بصورة الجسد والثقة بالنفس والعلاقات الاجتماعية، فضلاً عن القلق من عودة المرض.
ومن هنا تبرز أهمية الدعم النفسي والاجتماعي، سواء من الأسرة والأصدقاء أو من المختصين ومجموعات الدعم، لمساعدة الناجيات على تجاوز آثار التجربة واستعادة الشعور بالأمان والاستقرار.
كما تؤكد القصص أهمية الانتباه إلى التغيرات غير المعتادة في الثدي، ومراجعة الطبيب عند ظهورها، والالتزام بالفحوص المناسبة للعمر وعوامل الخطورة وفق التوصيات الطبية، لأن الاكتشاف المبكر قد يسهم في تحسين فرص العلاج.
من المعاناة إلى صناعة الأمل
على اختلاف تفاصيل تجارب ماريا وجيسيكا ونادين، فإن ما يجمعهن هو أن المرض غيّر نظرتهن إلى الحياة، وأعاد ترتيب أولوياتهن، ودفعهن إلى الاهتمام بصحتهن وعلاقتهن بأنفسهن وبالآخرين.
ولم تعد النجاة بالنسبة إليهن مجرد تجاوز لمرحلة مرضية، بل أصبحت فرصة لتحويل الألم إلى عمل إنساني، والخوف إلى وعي، والتجربة الفردية إلى مصدر إلهام للنساء.
وتحمل قصصهن رسالة مفادها أن التعافي قد يفتح أبواباً جديدة للحياة، وأن الإنسان يستطيع، رغم ما يمر به من أزمات، أن يجد معنى جديداً لتجربته. لكن هذه القدرة لا تلغي مشروعية الحزن والضعف أو الحاجة إلى المساندة؛ فلكل ناجية رحلتها الخاصة، ولكل تجربة ظروفها وتحدياتها.








اضافةتعليق
التعليقات