قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل».
وفي هذا الحديث توضيح وتصريح واضح من النبي الكريم على أهمية أن ينظر الإنسان ويتفكر فيمن يصادق، فإن هذا الصديق له تأثير كبير في حياة الإنسان، ويكون مؤثرًا بشكل تلقائي ومباشر في حياته، إيجابًا أو سلبًا، في الخير أو الشر.
فبالتالي يؤدي بصاحبه وخليله إما إلى النعيم أو إلى الجحيم، ولهذا الموضوع بالغ الأهمية والتأثير في حياتنا.
وكما قيل: «الصاحب ساحب»، لذلك يجب علينا الانتباه والحذر والتفكر، وخصوصًا بالنسبة إلى أولادنا وبناتنا المراهقين، فإنهم يعيشون في عمر حساس، وفي بعض الأحيان يشعر المراهق بالضياع وفقدان الهوية، وصديق السوء يجده فريسة سهلة، ويستطيع توجيهه كيفما يريد، وبأي اتجاه من اتجاهات السوء والضياع، وهي كثيرة في عصرنا الحالي، مع وجود هذا الكم الهائل من التطور والتكنولوجيا.
وفي عصر الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، يقع أولادنا وبناتنا فريسة للصداقات الكاذبة والمعسولة والمضللة.
ولا ننسى العصابات الإلكترونية والفرق المضللة، حتى إنهم أصبحوا يستدرجون الأطفال عن طريق الألعاب الإلكترونية.
فالفتن كثيرة، والمغريات والفساد، وأصبحنا نخاف على أولادنا من الغرق والوقوع في المستنقعات الإلكترونية، فيجدر بنا الحذر والانتباه؛ لأن جهاز الموبايل أصبح مرميًّا في كل مكان وبين أيدي الأطفال، هذا إن لم يمتلك الطفل نفسه الجهاز، مع بالغ الأسف!
فعصرنا محفوف بالمخاطر، وأكبر مؤثر في الطفل والمراهق والكبير والصغير هو «الصديق».
فلينظر الإنسان من يصادق، ومن يصاحب، ومن يجالس.
ولا أنسى صديقة لي، فقد تكلمت معي عن تجربتها في الصداقة، وقالت:
بحكم عملي، وأنا موظفة في دائرة حكومية، كانت جليستي وزميلتي في العمل، التي كانت معي في القسم نفسه والغرفة نفسها، مهتمة وحريصة على غذائها وعلى الأكل الصحي، وكانت تمارس الرياضة بما لا يقل عن أربعة أيام أسبوعيًّا، وكانت من النوع الذي يهتم بصحته.
فلا أنسى أنني تأثرت بها، وأخذت بنصائحها، وسحبتني معها إلى أن أمارس الرياضة، وأهتم بصحتي، وأتناول الطعام الصحي.
وأيضًا كانت لي صديقة أخرى، كانت تحب الزيارة كثيرًا، وكانت حريصة على الذهاب إلى المراقد المقدسة دائمًا وبشكل دوري، فسحبتني معها أيضًا، وأصبحت رفيقتها في الزيارة، وأصبحنا نذهب سويًّا.
واسترسلت في حديثها فقالت:
الصديقة الأولى، التي كانت حريصة على صحتها، انتقلت بعد فترة من قسمي، مع الأسف، وجاءت مكانها صديقة أخرى.
لكن هذه الصديقة الأخرى لم تكن مثل الأولى، أي إنها لا تمارس الرياضة ولا تهتم بالأكل الصحي، فأصبحت هذه الصديقة جليستي، فتأثرت بها، ولا أعرف كيف! ربما كان تأثيرها عليَّ كبيرًا، وأكثر من تأثيري أنا عليها.
فلم تعد لديَّ رغبة مثل السابق في ممارسة الرياضة، ولم أعد أهتم كثيرًا بالأكل الصحي.
واستغربت صديقتي من نفسها، وقالت: سبحان الله! ما هذا التأثير العجيب؟ بالفعل «الصاحب ساحب»، ولبستُ هذه المقولة مثل الحلقة في أذني.
ثم ضحكت وقالت: وبعد فترة، بالفعل فكرت في أن أنتقل من قسمي إلى قسم آخر لكي أتخلص من هذا التأثير الذي أصبح يلازمني.
أقول: صديقتي هذه، وهي امرأة كبيرة ناضجة، ومتزوجة، وعندها أولاد وبنات، كان تأثير صديقاتها وصاحباتها كبيرًا عليها، فكيف بالمراهق أو المراهقة الصغيرين في العمر، واللذين ليس لديهما في الحياة الكثير من الخبرة والتجارب؟ أفلا يتأثران بالأصدقاء والأصحاب؟
نعم، وبالتأكيد إنهما سوف يتأثران كثيرًا، لذلك يجب علينا توخي الحذر، والاهتمام بهما وباحتياجاتهما العاطفية والمعنوية والمادية.
ونستنتج مما تقدم أن أساس اختيار الصديق مبني على حب الله سبحانه وتعالى، فالصديق الذي تراه يحب الله عز وجل، اتبعه وسِرْ وراءه، والصديق الذي يبعدك عن طريق الله، ابتعد عنه واتركه.
هذه هي القاعدة الأساسية لاختيار الأصدقاء الحقيقيين.
وكما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم):
«سبعة يظلهم الله تعالى في ظله، يوم لا ظل إلا ظله»، وذكر منهم: «ورجلان تحابّا في الله، اجتمعا عليه وتفرقا عليه».
وقال الشاعر أيضًا تأكيدًا على قول رسولنا الكريم:
واختر قرينكَ واصطفيه تفاخرًا
إنَّ القرينَ إلى المُقارِنِ يُنسَبُ.
ونرجع إلى الدائرة نفسها، بحديث رسولنا الكريم.
يجب علينا حسن الاختيار للقرين؛ لأنه سيكون مثل مرآتنا وظلنا، والمجتمع سيعرفنا بنسبتنا إلى هذا الصديق. هل يقربنا إلى الله، أم يبعدنا عنه؟
ونسأل الله تعالى أن يظلنا بظله يوم القيامة، مع الأصدقاء الصالحين، يوم لا ظل إلا ظله.








اضافةتعليق
التعليقات