أمام المصعد، يقف كثيرون منتظرين الوصول إلى طابق قريب، بينما تبقى السلالم المجاورة شبه خالية. يبدو الاختيار عابرًا، لكنه يتكرر في المكاتب والجامعات والمراكز التجارية، ليطرح سؤالًا مهمًا: هل يمكن لصعود السلالم أن يُحدث فرقًا صحيًا؟
تشير الأبحاث إلى أن هذه الحركة اليومية تستحق الاهتمام؛ لأنها تتيح إدخال النشاط البدني في تفاصيل الحياة، دون اشتراك رياضي أو معدات خاصة. ومع انتشار الجلوس الطويل، تصبح الاستفادة من فرص الحركة المتاحة وسيلة عملية لمقاومة الخمول، بشرط مراعاة القدرة الجسدية والحالة الصحية.
ماذا يحدث في الجسم عند الصعود؟
عندما يصعد الإنسان السلالم، فإنه يرفع وزن جسمه في مواجهة الجاذبية، مستعينًا بعضلات الفخذين والساقين والأرداف. وتحتاج هذه العضلات إلى طاقة وأكسجين أكثر مما تحتاج إليه أثناء الراحة، فيستجيب القلب بزيادة ضخ الدم، ويرتفع معدل التنفس لتلبية الطلب المتزايد.
لهذا يشعر البعض بتسارع النبض أو اللهاث بعد الوصول إلى الطابق المطلوب. وقد تكون هذه استجابة طبيعية للجهد، تختلف بحسب سرعة الصعود واللياقة والوزن. لكن ارتفاع النبض وحده لا يكفي للحكم على صحة القلب؛ فالأعراض المصاحبة، وشدة التعب، والتغير المفاجئ في القدرة على الحركة، عناصر مهمة لفهم الاستجابة وتحديد الحاجة إلى التقييم الطبي.
السلالم وصحة القلب: ماذا تقول الدراسات؟
تدعم نتائج بحثية الاهتمام بهذه العادة. فقد تناولت مراجعة منهجية وتحليل تلوي، نُشرا عام 2026 في مجلة «American Journal of Cardiovascular Drugs»، تسع دراسات شملت 480,479 مشاركًا، لاستكشاف العلاقة بين صعود السلالم والمخاطر القلبية الوعائية.
وأظهر التحليل المجمع لخمس دراسات ارتباط الصعود بانخفاض نسبي في خطر الوفاة القلبية الوعائية بنحو 39%، وانخفاض الوفاة من جميع الأسباب بنحو 24%. وهي نتائج لافتة، لكنها تحتاج إلى قراءة دقيقة: فالانخفاض نسبي، ولا يعني أن كل شخص سيحصل على الفائدة نفسها، كما أن الارتباط الإحصائي لا يثبت وحده علاقة سببية.
فقد يكون مستخدمو السلالم أكثر نشاطًا عمومًا، أو مختلفين في عادات صحية أخرى. ولذلك تُقدَّم النتائج بوصفها دليلًا داعمًا لأهمية الحركة اليومية، دون تحويلها إلى وعد بالوقاية أو بديل عن معالجة عوامل الخطر الأخرى.
جرعات قصيرة من الحركة تُحسّن اللياقة
لا تتوافر للجميع فرصة ممارسة تمرين طويل، وهو ما يفسر الاهتمام بفترات النشاط القصيرة الموزعة خلال اليوم. وفي تجربة منشورة عام 2019، وُزّع 24 شابًا وشابة قليلي النشاط على مجموعتين؛ أدّت إحداهما صعودًا قويًا لستين درجة، ثلاث مرات يوميًا، بفواصل تراوحت بين ساعة وأربع ساعات، خلال ثلاثة أيام أسبوعيًا ولمدة ستة أسابيع، بينما لم تتدرب المجموعة الأخرى.
أظهرت مجموعة الصعود تحسنًا في اللياقة القلبية التنفسية، مقاسًا بذروة استهلاك الأكسجين، وإن كان مقدار التحسن متواضعًا. وتوضح التجربة أن دقائق متفرقة قد تكون مفيدة عند تكرارها، لكنها تظل دراسة صغيرة على شباب قليلي النشاط؛ فلا يصح تعميم برنامجها على كبار السن أو المرضى، ولا افتراض ملاءمة الصعود القوي لكل شخص.
فوائد محتملة للتمثيل الغذائي والوزن
يمتد الاهتمام بالسلالم إلى الصحة الأيضية. فقد ربطت دراسة سكانية مستقبلية الاستخدام المعتاد للسلالم بانخفاض حدوث السكري من النوع الثاني، مقارنة بمن أفادوا بعدم صعودها. غير أن هذه النتيجة تعبّر أيضًا عن ارتباط، ولا تجعل الصعود وسيلة مضمونة لمنع المرض.
ويسهم الصعود في استهلاك الطاقة، لكن مقدار السعرات المحروقة يختلف باختلاف وزن الشخص ومدة النشاط وشدته. لذلك يصعب اعتماد رقم ثابت يصلح للجميع، كما أن زيادة الحركة لا تضمن وحدها انخفاض الوزن؛ إذ يتأثر ذلك بالغذاء ومجموع النشاط وعوامل أخرى.
وتكمن القيمة العملية في إضافة حركة قابلة للتكرار إلى اليوم، بدل تقييم فائدتها فقط بما يظهر سريعًا على الميزان. ويمكن أن يكون تتبع الوقت والقدرة على الاستمرار أكثر فائدة من الانشغال بتقديرات السعرات وحدها.
حين يشجّع تصميم المبنى على الحركة
اختيار السلالم ليس مسألة إرادة فردية فحسب؛ فالبيئة المعمارية قد تشجّع الحركة أو تجعلها أقل جاذبية. وفي دراسة رصدية شملت ثلاثة مبانٍ جامعية، بلغت نسبة مستخدمي السلالم للصعود 8.1% في مبنى تتوسطه المصاعد، بينما تقع سلالمه خلف باب فولاذي. وارتفعت النسبة إلى 72.8% و81.1% في مبنيين تتوسطهما سلالم واضحة وجذابة وسهلة الوصول.
تشير هذه المقارنة إلى أهمية موقع السلالم وتصميمها، مع الانتباه إلى أن الدراسة الرصدية لا تعزل جميع الفروق بين المباني ومستخدميها. ويمكن الاستفادة من نتائجها في جعل الحركة خيارًا ظاهرًا ومريحًا داخل المؤسسات، مع الحفاظ على المصاعد وإمكانية الوصول للأشخاص الذين يحتاجون إليها، وتجنّب تحويل التشجيع الصحي إلى ضغط على غير القادرين.
كيف تصبح السلالم عادة صحية آمنة؟
يبدأ إدخال السلالم إلى الروتين بجهد محدود يناسب القدرة الحالية، ثم زيادة تدريجية وفق التحمل. فالمطلوب عادة يمكن الاستمرار عليها، مع ضبط السرعة والتوقف عند التعب غير المعتاد.
وتوصي جمعية القلب الأمريكية البالغين بممارسة 150 دقيقة من النشاط الهوائي المتوسط، أو 75 دقيقة من النشاط الشديد أسبوعيًا. ويمكن للصعود أن يسهم في هذا المجموع، بحسب مدته وشدته؛ فمجرد استخدام السلالم مرات قليلة لا يعني تلقائيًا تحقيق التوصيات كاملة.
أما النبض المستهدف فهو دليل تقريبي، تتأثر قراءته بالعمر واللياقة وبعض الأدوية والأمراض. ويحتاج المصابون بأمراض قلبية أو مستخدمو أدوية تؤثر في النبض إلى توجيه فردي بشأن الجهد المناسب. ويستدعي ألم الصدر أو الدوخة أو ضيق التنفس الشديد التوقف وطلب التقييم الطبي، مع طلب المساعدة العاجلة إذا كانت الأعراض حادة.
صحة تُبنى في تفاصيل اليوم
عند العودة إلى مشهد المصعد والسلالم، يتضح أن الاختيار اليومي قد يفتح فرصة صغيرة للحركة. وتزداد قيمة هذه الفرصة عندما تصبح عادة مستمرة، وتتكامل مع غذاء متوازن ونوم كافٍ وامتناع عن التدخين وضبط الضغط والسكر والكوليسترول. فالعناية بالقلب تتشكل من سلوكيات مترابطة، ويمكن لدرجات السلم أن تكون إحدى بداياتها العملية.








اضافةتعليق
التعليقات