في زاوية غرفتي الهادئة، أمارس طقسي المعتاد؛ رنين الهاتف صامت، والنواميس الرقمية معطلة برغبتي. أدخل عالم الواتساب بتمهّل، أفرز الرسائل، وأردّ على هذا وذاك. وبين ركام الأحاديث اليومية، لمحتُ رابِطاً مرسلاً من أختي. اعتَدنا مؤخراً تبادل الروابط كمن يعثر على كنزٍ مفقود، وكنوزنا هذه الأيام لم تكن سوى القصائد ومجالس العزاء.
ضغطتُ على الرابط، فانساب في الغرفة صوت مألوف، صوت يأخذني من تلابيب قلبي ويلقيني في وعاء "الطف"؛ إنه الصوت الشجي للملا محمد باقر. استمعتُ والدمع يمهد لطريقه المعتاد، شكرتها، وأبديتُ إعجابي الذي لا ينضب ثم سألتها: "هل حضرتِ مجلس هذه الأيام؟".
جاءني ردّها يحمل غبطةً ممزوجة بالشفقة: "نعم حضرت.. وكان مكانكِ خالياً، كانت الأجواء الروحية عالية جداً".
تنهدتُ وكتبتُ لها بحسرة: "هنيئاً لكِ.. هنا في بغداد لا توجد مجالس كثيرة كما في كربلاء". كربلاء.. تلك المدينة التي أسرت روحي، وملكت لُبّي، فصارت وجعي، وحنيني. فارقتها منذ أشهر، وكلما دخلتها، أشعر كأنني التقيت بشخصٍ عزيز؛ أتحدث مع هوائها، وأعاتب أرضها، وأناجي سماءها، وأذوب في كل تفاصيلها.
استمر حوارنا يتدفق عبر الشاشة، حتى كتبت لي جملة استوقفتني طويلاً، قالت: "ولكنني لم أرتوِ بعد من المجالس"!
تأملتُ رسالتها الأخيرة. نظرتُ إلى الشاشة وجدتها تختصر حقيقةً وجودية كبرى كتبتُ لها مفسرةً هذا الهيام: "إن مجالس الحسين يا أختي، مثلها مثل العلم بحرٌ لا نهاية له".
هنا يكمن السر، وتلتقي أعظم غريزتين في الروح البشرية: غريزة المعرفة (طلب العلم)، وغريزة العشق (حب الحسين).
فحين يدخل الانسان في بحر المعرفة، يجد نفسه كلما شرب من مائها عطش أكثر وطلب المزيد. كلما قرأ، وبحث وازداد وعياً، نظر إلى مرآة نفسه فوجدها لا شيء أمام اتساع الكون وعظمة الخالق. فالعلم لا يمنحك صك الاكتفاء، بل يمنحك شهادةً تواضعية بأنك ما زلت واقفاً على الساحل.
وكذلك هي المجالس؛ الحسين ليس ذكرى تاريخية تُقرأ وتنتهي، بل هو فكرة ممتدة خارج حدود الزمان والمكان. كلما حضرتِ مجلساً كلما شعرتِ بعطشٍ أكبر وعدم ارتواء. تطلبين مزيداً من الدمع، مزيداً من اللطم، مزيداً من الجزع الواعي، ومزيداً من العِبرة والعَبرة المستمدة من سيرته وتضحيته.
ومن زاوية اخرى نجد إن العلاقة بين طلب العلم وحب الحسين هي علاقة "الوعي بالحب". فالعلم يطلب اللانهاية بعقل مستنير، وحب الحسين يطلب اللانهاية بقلبٍ مستعر.
ففي مجالس الحسين، نحن لا نبكي لمجرد البكاء، بل نحن نتعلم. نتعلم قيم الحرية، والكرامة، والعدالة. وحين يمتزج العلم بالحب يتحول العطش إلى وقود روحي فيخبرنا العلم أن النفس البشرية لا تشبع من المعرفة، والحب الحسيني يثبت أن الروح لا ترتوي من منبع كربلاء؛ فكلما ظننتِ أنكِ ارتويتِ من الدمع، تفجر في قلبكِ نهرُ حزنٍ وتأملٍ جديد، لأن كربلاء باختصار هي "مدرسة اللانهاية".
أغلقتُ الهاتف مجدداً، لكن هذه المرة لم يكن صمت الإشعارات هو ما يلفني، بل صمت الذهول الروحي. بقيتُ أردد في داخلي: نحن أمة كُتب عليها العطش الجميل؛ عطشٌ للعلم ينير العقول، وعطشٌ للحسين يطهر القلوب.
ومن بغداد إلى كربلاء، يبقى حنينُ قلبي جسراً ممدوداً من الدموع والآمال، ويبقى في داخلي يقين أن المجالس محطات لتزود الأرواح التي لا ترتوي ولن ترتوي إلا من كان بجوار الحسين قلبا قبل أن يكون قالبا.








اضافةتعليق
التعليقات