• الرئيسية
  • كل المواضيع
  • الاتصال بنا
facebook twitter instagram telegram
بشرى حياة
☰
  • اسلاميات
  • حقوق
  • علاقات زوجية
  • تطوير
  • ثقافة
  • اعلام
  • منوعات
  • صحة وعلوم
  • تربية
  • خواطر

من دروس الطف: هيهات منا الذلة

هدى المفرجي / السبت 04 تموز 2026 / اسلاميات / 455
شارك الموضوع :

في تلك اللحظات تحول الدم المسفوك على رمال كربلاء إلى منارٍ يضيء الدرب لكل ثائر ومظلوم في الأرض

حينما يوضع الوجود الإنساني على محك الاختبار الصعب، وتتوارى المبادئ خلف غبار المصالح والخوف، تشرق في سماء التاريخ منارات من نور ودم، تعيد بوصلة الأمة إلى طهرها الفطري، فهناك على أرض الطف، لم تكن المعركة بين سيف وسيف، بل كانت مواجهة كبرى بين انحناء القامة الجبانة واستقامة العقيدة الشامخة، مواجهة صاغت للعالم قانوناً جديداً يثبت أن الجسد قد يفنى، لكن الفكرة الحرة لا تموت، وأن العزة ليست ترفاً يُطلب بل ضريبة تُدفع.

فلم تكن كربلاء مجرد واقعة عسكرية عابرة انقضت بانتهاء الساعات، بل كانت زلزالاً أخلاقياً أعاد ترتيب قيم الإنسانية، وصاغ للأحرار دستورا أبدياً يخطه الدم المراق في سبيل الحق، إن "العزّة ورفض الذل" ليست مجرد شعار رُفع في طف كربلاء، بل هي العمود الفقري لنهضة الإمام الحسين (عليه السلام)، والجوهر الأخلاقي الذي ميز ثقافة عاشوراء وجعلها نابضة بالحياة عبر العصو، ففلسفة الموت العزيز ​حين يقف الإنسان بين خيارين كلاهما مر: إما العيش تحت وطأة الهوان والقبول بالظلم، وإما الموت الشريف الذي يحفظ للمبدأ طهارته.

فإن النفوس العادية قد تساوم حرصاً على البقاء لكن الإمام الحسين (عليه السلام) قدم للبشرية جمعاء معادلة وجودية جديدة اختصرها بقوله المأثور: ​«موتٌ في عزّ خيرٌ من حياةٍ في ذلّ»، ​لم يكن هذا الكلام ترفاً فكرياً، بل كان بياناً لواقع يرى فيه الإمام أن الحياة الحقيقية ليست مجرد أنفاس تتردد في الصدور، بل هي الكرامة فإذا سُلبت الكرامة تحولت الحياة إلى موت معجل، وأصبح الموت في سبيل المبدأ هو الخلود والولادة الحقيقية.

​ثبات الأحرار: رفض المساومة والبيعة الذليلة

​حينما تلاطمت أمواج الفتن، وعرضت قوى السلطة الجائرة على الحسين (عليه السلام) الاستسلام والبيعة لشرعنة الظلم، تجسد كبرياء النبوة وعنفوان الرسالة في رده الحاسم الذي صك مسامع التاريخ: ​«لا والله لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل، ولا أفرّ فرار العبيد»، ​إنها لغة الواثق الذي لا يرى في القوة المادية المتغطرسة أمامه إلا سراباً يحسبه الظمآن ماءً، لم يكن الحسين مجرد مقاتل يدافع عن نفسه، بل كان يمثل وعي الأمة بأسرها.

رفض أن يمد يد الطاعة لمن يريد سلب الأمة حريتها، مفضلاً الموت مقبلاً غير مدبر، مدركاً أن انحناء القامة لمرة واحدة يعني العيش منحنياً للأبد، ف​هيهات منا الذلة هي البيان الإلهي المحمدي في ذروة المأساة، حين أحاطت بالمعسكر الحسيني آلاف السيوف، وخُير بين السلة وبين الذلة، انطلق صوته الهادر ليزلزل الطغاة في عروشهم، مستنهضاً قيم الأرض والسماء: ​«ألا وإنّ الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين؛ بين السلّة والذلّة، وهيهات منّا الذلّة، يأبى الله ذلك لنا ورسوله والمؤمنين، وحجور طابت وطهرت، وأنوف حمية، ونفوس أبية، من أن نُؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام».

​إن هذا البيان ليس مجرد حماس حربي، بل هو تأصيل عقائدي وأخلاقي لرفض الظلم والرفض ينبع أولاً من الإرادة الإلهية والرسالة المحمدية ومجتمع المؤمنين فالإيمان حرية وعزة، ولا يمكن للمؤمن أن يكون ذليلاً، والعزة ممتدة من "الحجور التي طابت وطهرت" والأصلاب الشامخة، فالتربية النبوية لا تثمر إلا حرية، والنفوس الأبية تأبى بطبعها الفطري أن تنساق وراء طاعة اللئام والظلمة، وتفضل السقوط في مصارع الكرام على العيش في كنف العبودية.

فعندما انطلقت السهام وأعلنت المعركة بداية النهاية الجسدية، لم ينكفئ الحسين ولم ينكسر، بل تحول ذلك الجسد المثخن بالجراح إلى بركان ثائر نزل إلى الميدان يرتجل القوافي والخطب، ويكر على صفوف العدو كر الليث الموتور، ​كانت ضربات سيفه تترجم كلماته فكل سيف يُصلت في وجه الباطل كان يقول "هيهات منا الذلة"، وكل خطوة يخطوها نحو الموت كانت خطوة نحو الخلود.

في تلك اللحظات تحول الدم المسفوك على رمال كربلاء إلى منارٍ يضيء الدرب لكل ثائر ومظلوم في الأرض، ليؤكد أن المنتصر الحقيقي في المعركة ليس من يملك السيف، بل من يملك المبدأ والعزة، فإن درس العزة في عاشوراء هو الدرس الذي تحتاجه الأمم في كل عصر، فكربلاء لم تكن مأساة للبكاء فحسب بل كانت وما زالت مدرسة لصناعة الأحرار، تزرع في النفوس أن العيش بكرامة هو الغاية الأسمى، وأن الموت في سبيل الحق هو الانتصار الأبدي.

عاشوراء
الامام الحسين
كربلاء
القيم
الظلم
شارك الموضوع :

اضافةتعليق

    تمت الاضافة بنجاح

    التعليقات

    آخر الإضافات للكاتب (ة):

    جمعية المودة والازدهار للتنمية النسوية تواصل نشاطات نادي ريحانة للفتيات

    جمعية المودة والازدهار للتنمية النسوية تواصل نشاطات نادي ريحانة للفتيات

    منذ 21 ساعة/
    رحلة الحنين للماضي: حين تُعيدنا الخوارزميات إلى دفئ الأمس

    رحلة الحنين للماضي: حين تُعيدنا الخوارزميات إلى دفئ الأمس

    الأحد 13 ايلول 2026/
    بين ثورة الشاشة ودفء الورق

    بين ثورة الشاشة ودفء الورق

    الثلاثاء 08 ايلول 2026/
    حسن الخلق في ميزان القيامة

    حسن الخلق في ميزان القيامة

    الخميس 03 ايلول 2026/
    الفجر الهاشمي: من سر العرش إلى طينة الأرض

    الفجر الهاشمي: من سر العرش إلى طينة الأرض

    الأحد 30 آب 2026/
    بين صمت المحراب وضجيج السعي

    بين صمت المحراب وضجيج السعي

    الثلاثاء 25 آب 2026/

    آخر الاضافات

    جمعية المودة والازدهار للتنمية النسوية تواصل نشاطات نادي ريحانة للفتيات

    كيف يتحقق السلام الداخلي؟

    الذكاء الاصطناعي يرصد مؤشرات دقيقة داخل أورام الثدي للتنبؤ بتطور المرض

    هندسة الاختيار.. كيف تُوجَّه سلوكياتنا وقراراتنا اليومية دون أن نشعر؟

    ظاهرة المؤثرين: تحليل للدور الحقيقي والتأثير على المجتمع

    الكمأة.. ثروة طبيعية تجمع بين القيمة الغذائية والفخامة

    دمى تشبه أصحابها... حين تبقى الطفولة بين يديك

    الإدارة والقيادة الذاتية وأثرهما في حياة الفرد

    آخر القراءات

    مِحرابُ الشَّهادةِ وَيُتْمُ العَدالة: قراءةٌ في كَونِيَّةِ الرَّحيلِ العَلَويّ

    النشر : الثلاثاء 10 آذار 2026
    اخر قراءة : منذ 47 دقيقة

    الرؤية الاستراتيجية للتنمية الاجتماعية في "نهج البلاغة"

    النشر : الأربعاء 26 حزيران 2024
    اخر قراءة : منذ 48 دقيقة

    الاحتيال المالي يتفاقم.. هل تستطيع البنوك الصمود بمفردها؟

    النشر : الأحد 22 كانون الأول 2024
    اخر قراءة : منذ 48 دقيقة

    ظواهر.. الثقافة الحيوانية

    النشر : الثلاثاء 13 حزيران 2023
    اخر قراءة : منذ 48 دقيقة

    قوم عاد والحضارة المفقودة

    النشر : الأحد 02 حزيران 2024
    اخر قراءة : منذ 48 دقيقة

    طريقة الشحن وواق الشاشة.. تعرَّف على كيفية حماية هاتفك الذكي من التلف

    النشر : الثلاثاء 18 تموز 2017
    اخر قراءة : منذ 48 دقيقة

    الأكثر قراءة

    • اسبوع
    • شهر

    في رحاب اسم الله الهادي

    • 330 مشاهدات

    حِراسَةُ الحَواسّ وصَوْنُ الهَويَّة: قِراءَةٌ في وعيِ الانْفِتاح

    • 326 مشاهدات

    عقول في المصيدة: حين تُسرق الذات تحت لافتة المعرفة السطحية

    • 317 مشاهدات

    حين تتحول رياضة الأطفال من وسيلة للمتعة إلى مصدر للضغط والقلق

    • 314 مشاهدات

    طرق بسيطة لتخفيف حرقة المعدة في المنزل وتجنب تكرارها

    • 303 مشاهدات

    رحلة الحنين للماضي: حين تُعيدنا الخوارزميات إلى دفئ الأمس

    • 301 مشاهدات

    ميلادان… ومشروع واحد: حين يولد النور مرتين

    • 1136 مشاهدات

    حين يصبح التأخر تهمة

    • 1104 مشاهدات

    شهادة الإمام الحسن العسكري: فلسفة التضحية والمنهاج المكتمل لشباب الأمة

    • 1044 مشاهدات

    ستنضج فجأة وتتساءل: مَن هذا الذي لا يشبهك!

    • 987 مشاهدات

    فجر الصادق: حين يتكلم النور ويكتمل العقل

    • 750 مشاهدات

    ولادة مَنْ أضاءَ الكونَ نوراً: نبيّ الرحمةِ والإنسانية

    • 656 مشاهدات

    facebook

    Tweets
    صفحة للمرآة العربية تهتم بالفكر والثقافة والصحة والعلم

    الأبواب

    • اسلاميات
    • حقوق
    • علاقات زوجية
    • تطوير
    • ثقافة
    • اعلام
    • منوعات
    • صحة وعلوم
    • تربية
    • خواطر

    اهم المواضيع

    جمعية المودة والازدهار للتنمية النسوية تواصل نشاطات نادي ريحانة للفتيات
    • منذ 21 ساعة
    كيف يتحقق السلام الداخلي؟
    • منذ 21 ساعة
    الذكاء الاصطناعي يرصد مؤشرات دقيقة داخل أورام الثدي للتنبؤ بتطور المرض
    • منذ 21 ساعة
    هندسة الاختيار.. كيف تُوجَّه سلوكياتنا وقراراتنا اليومية دون أن نشعر؟
    • الأربعاء 16 ايلول 2026

    0

    المشاهدات

    0

    المواضيع

    اخر الاضافات
    راسلونا
    Copyrights © 1999 All Rights Reserved by annabaa @ 2026
    2026 @ بشرى حياة