في ظهيرة كأن شمسها نار تُوقد، وفي قلبِ "بغداد" التي لم ترحم يوماً غريباً من وُلد الزهراء، كانت أنفاسُ الإمام محمد بن علي الجواد (عليه السلام) تتصاعدُ مثقلةً بوجعٍ لا يشبهُ وجع الأبدان ،إنه وجعُ الغربة، وسم الغدر الذي سرى في عروق شبابه الغض كأفعى باردة، لينهش كبداً طالما سجدت لله خشوعاً، وقلباً طالما اتسعَ للفقراءِ حباً.
كان في الخامسة والعشرين من عمره، ربيعٌ لم يكتمل، وقمرٌ في أوج تمامه، لكن الحسد العباسي أبى إلا أن يطفئ هذا النور بصورة يندى لها جبين الإنسانية، ويتقطع لها نياط القلب أسىً وحسرة، لم تكن المأساة سيفاً صقيلاً يُشهر في ساحة حرب، بل كانت طعنة في الظهر من يدِ مَن كان يُفترض بها أن تكون السكن والأمان، أم الفضل، ابنة المأمون، تتحرك في أروقة الدار بخطوات مرتبكة، تحمل في يدها طبقاً لا يحمل قوتاً، بل يحمل غدراً صِيغ بدقة في دواوين السلطة قدمت لزوجها، الإمام محمد الجواد (عليه السلام)، طعاماً مسموماً بمجرد أن لامس السم أحشاءه، شعر كأن جمراتٍ من نار تتوقد في صدره.
وفي تلك اللحظة تجلت أقسى صور البشرية فبدلاً من أن تسرع لنجدته، خرجت وأغلقت الأبواب، وتركت "ابن رسول الله" يواجه مصيره بلا أنيس ولا معين، بين لوعة العطش وغربة الدار تكررت مأساة "كربلاء" لكن في ضيافة بغداد، حيث اشتد مفعول السم، وبدأ العطش يفتك بقلب الإمام الشاب، نادى بصوتٍ خافت، يطلب جرعة ماء تبرد لهيب أمعائه.
لكن الجواب كان صمتاً قاتلاً وصريراً للأقفال، وهناك تحت السماء التي شهدت غربته، كان الإمام يتقلب يميناً وشمالاً، يرفع طرفه نحو المدينة المنورة، نحو قبر جده المصطفى، وكأنه يودعه الوداع الأخير في سن الخامسة والعشرين، وفي قمة العطاء، انطفأت تلك الشمعة التي أضاءت عتمة العصور، سكن الأنين، وهدأت الأنفاس، وفاضت الروح الطاهرة إلى بارئها.
استشهد الجواد غريباً، مظلوماً، عطشاناً، في ريعان شبابه، ليبقى استشهاده وصمة عار في جبين الظلم، ومنارة لكل طالب حق، فلم يكن السم قراراً فردياً من زوجته، بل كان بمباركة وتخطيط من المعتصم العباسي الذي ضاق ذرعاً بهيبة الإمام العلمية والتفاف الناس حوله رغم صغر سنه.
فهاجت بغداد واقتحم المحبون الدار ليجدوا إمامهم قد رحل غريباً، خرجت الشيعة والعلماء بل وعامة الناس في جنازة مهيبة، ضجت فيها بغداد بالبكاء والعويل، وحُمل الجثمان المقدس إلى مقابر قريش ليدفن بجوار جده الإمام موسى الكاظم (عليه السلام).
إن استشهاد الإمام الجواد (عليه السلام) يمثل قمة المظلومية فهو أصغر الأئمة سناً وأكثرهم إيلاماً في طريقة رحيله ترك خلفه قلوباً محطمة، لكنه ترك أيضاً مدرسة في الصبر والعلم لا تنطفئ واليوم تقف القباب الذهبية في الكاظمية شاهدة على أن الظالم يذهب إلى مزبلة التاريخ، بينما يبقى الجواد "باباً للمراد" ومنارةً للقلوب المنكسرة التي تجد في ذكراه عزاءً لكل غريب ومظلوم.
فسلام عليك يا باب المُراد، يا غريب بغداد، إليكَ ترنو القلوبُ المنكسرة، وعلى جرحِك تبكي المآقي، فسلامٌ عليكَ يوم ولدتَ نوراً، ويومَ استُشهدتَ مسموماً، ويومَ تُبعثُ لخصومكَ خَصيماً.








اضافةتعليق
التعليقات