في حياة الإنسان مشاعر كثيرة تمرّ عليه، بعضها يلمع سريعًا ثم يخبو، وبعضها يبقى في القلب كجذرٍ ثابت لا تهزّه الأيام. وبين كل تلك المشاعر يبقى الحب أكثرها حديثًا بين الناس، حتى كأن العلاقات كلها لا تُقاس إلا بمقدار الحب فيها. لكن مع مرور العمر، واختبار البشر، وخوض التجارب، يكتشف الإنسان حقيقة أكثر هدوءًا وأعمق أثرًا؛ وهي أن الحب وحده لا يكفي دائمًا، وأن أجمل ما قد يجده المرء في إنسان آخر ليس فقط أن يحبّه… بل أن يطمئن إليه.
في جلسة عفوية جمعت عددًا من الصديقات، خرج السؤال من باب المزاح كما تخرج كثير من الأسئلة النسائية التي تبدو بسيطة لكنها تحمل في داخلها أبوابًا من التأمل: هل تحبين زوجك؟
كان المتوقع جوابًا سريعًا مليئًا بالكلمات المعتادة، لكن إحدى الحاضرات قالت بهدوء:
(لا أستطيع وصف ما أشعر به على أنه حب فقط… أنا أطمئن إليه).
استغربت إحدى الصديقات وقالت باستنكار لطيف: وكيف يكون الاطمئنان أهم من الحب؟ أليس الحب هو الأصل؟
ابتسمت المرأة وكأنها تستعيد سنوات كاملة في لحظة واحدة، ثم قالت: منذ أول مرة رأيته شعرت بشعور لا أشعر به إلا مع والدي… شعور الأمان. لم أشعر بخوف، ولا توتر، ولا حاجة لأن أتصنع شيئًا. شعرت أنني أعرفه منذ زمن طويل، وأن قلبي اطمئن بطريقة غريبة. ومع الأيام لم يكبر الحب وحده، بل كبر معه الاطمئنان، حتى أدركت أن الطمأنينة أعظم مراحل الحب.
هذه العبارة وحدها تختصر معنى عميقًا لا يفهمه كثيرون في بدايات العلاقات. فالحب في بدايته غالبًا ما يكون انفعالًا عاطفيًا، ولهفة، وانجذابًا، واشتياقًا، وربما خوفًا من الفقد. أما الاطمئنان فهو مرحلة أخرى أكثر نضجًا؛ مرحلة يسكن فيها القلب بدل أن يضطرب، ويهدأ بدل أن يقلق، ويشعر أنه وصل إلى مكانه الآمن. ولذلك فإن كثيرًا من العلاقات تبدأ بحب عاصف ثم تنهار، لأن أصحابها اكتشفوا لاحقًا أنهم كانوا يحبون بعضهم، لكنهم لا يمنحون بعضهم السلام النفسي.
المرأة تحديدًا، مهما بدت قوية، تبقى في داخلها تبحث عن الأمان أكثر من أي شيء آخر. تبحث عن رجل لا يجعلها تخاف من الغد، لا يخذلها وقت ضعفها، لا يستهين بمشاعرها، ولا يجعلها تقضي عمرها في محاولة إثبات قيمتها..
وكذلك الرجل، مهما بدا قويًا، يبحث هو الآخر عن امرأة تكون له سكنًا لا عبئًا إضافيًا. امرأة يشعر معها أن العالم أقل قسوة، وأن العودة إليها بعد تعب الحياة تشبه العودة إلى البيت بعد سفر طويل.
ولعل أعظم ما في التعبير القرآني عن العلاقة الزوجية أنه لم يختصرها بالحب فقط، بل قال تعالى:
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾.
فالسكينة جاءت أولًا، ثم المودة والرحمة. لأن الإنسان حين يسكن إلى شخص، يصبح الحب أكثر نقاءً وأقل اضطرابًا. السكينة هنا ليست مجرد راحة وقتية، بل شعور عميق بأن هذا الإنسان لا يؤذي روحك، ولا يستنزف قلبك، ولا يجعلك تخوض معارك نفسية كل يوم.
ومن هنا يمكن قول أهم نصيحة لكل فتاة تبحث عن شريك حياتها:
لا تنخدعي بالانبهار الأول فقط.
فالانبهار يهدأ، واللهفة تخف، وحتى نار الحب الأولى لا تبقى مشتعلة بنفس القوة إلى الأبد. وبعد سنوات طويلة لن تبحثي عن الشخص الذي كان يجعل قلبك يرتبك فقط، بل ستبحثين عن الإنسان الذي منحك الأمان حين كانت الحياة قاسية، وعن الشخص الذي كنتِ تستطيعين أن تنهاري أمامه دون خوف.
اختاري الرجل الذي تشعرين معه بالطمأنينة، لا الذي يستهلكك عاطفيًا.
اختاري من يحفظ قلبك لا من يربكه دائمًا.
اختاري من يكون سندًا في الأيام الثقيلة، لأن المرأة حين تتعب لن تسأل نفسها: “هل ما زال يحبني؟” بقدر ما ستسأل: “هل أشعر بالأمان معه؟”
فالاطمئنان ليس شعورًا عابرًا، بل حاجة روحية عميقة. والإنسان حين يفقد الأمان داخل العلاقة يبدأ بالذبول حتى وإن كان الحب موجودًا. ولهذا جاء التعبير القرآني معجزًا حين وصف العلاقة الزوجية بقوله تعالى:
﴿لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾
فالسكينة لم تكن تفصيلًا صغيرًا في العلاقة، بل كانت الهدف الأول منها. لأن القلب المتعب لا يحتاج دائمًا إلى من يثيره، بل يحتاج أحيانًا إلى من يهدئه.
ومع نضج العمر يدرك الإنسان أن أجمل العلاقات ليست تلك التي تضج بالكلمات، بل تلك التي تمنح الروح راحة عميقة. العلاقات التي تستطيع أن تتنفس فيها دون خوف، وأن تكون فيها نفسك بلا تصنع.
فالاطمئنان ليس أقل من الحب كما يظن البعض… بل هو أرقى أشكال الحب وأكثرها صدقًا.








اضافةتعليق
التعليقات