نعيش اليوم في زمنٍ تُقاس فيه القيمة بعدد الإعجابات، ويُختصر المعنى في مقطعٍ لا يتجاوز ثواني، وتُصاغ القضايا الكبرى بلغةٍ سريعة، أحيانًا سطحية، وأحيانًا مستفزّة. وفي خضم هذا الضجيج الرقمي، يبرز سؤال حساس: كيف يمكن لقضية بحجم الإمام الحجة (عج)، قضية العدالة الإلهية والانتظار الواعي، أن تُقدَّم في فضاء السوشيال ميديا دون أن تُفرَّغ من معناها أو تُختزل في شعارات؟
الإمام المهدي (عج) ليس فكرةً عاطفية نلوّح بها في مواسم معينة، ولا شخصية غيبية نلوذ بها هروبًا من الواقع. هو مشروع إصلاحي، وامتداد لمسار نبوي، ورؤية متكاملة للإنسان والعدالة والحياة. ومن هنا، فإن أول تحدٍّ في زمن السوشيال ميديا هو الانتقال من التقديس السطحي إلى الفهم العميق.
في العالم الرقمي، يسهل استدعاء اسم الإمام، لكن الأصعب هو تمثيل روحه. كثير من المحتوى المهدوي اليوم يقع في فخّين خطيرين: الأول، تحويل القضية إلى حالة وجدانية منفصلة عن السلوك؛ والثاني، تقديمها بلغة تخويف أو انتظار سلبي، كأن الإمام سيأتي ليحلّ كل شيء بدل الإنسان.
وهنا تكمن الحاجة إلى وعي جديد في الطرح. تقديم قضية الإمام الحجة (عج) بوعي يعني أن نبدأ من السؤال لا من الجواب الجاهز. أن نخاطب عقل الإنسان المعاصر الذي يسأل: ما علاقتي أنا بالإمام؟ كيف يغيّر الانتظار سلوكي اليومي؟ ما معنى أن أكون منتظرًا في زمن الفوضى الرقمية؟
السوشيال ميديا لا تحتاج خطبًا طويلة، لكنها تحتاج أفكارًا صادقة، تُحرّك التفكير لا الانفعال فقط.
الوعي في الطرح يعني أيضًا أن نُخرج الإمام من إطار المناسبات إلى فضاء الحياة. أن نربطه بقيم العدالة، والصدق، والمسؤولية، ومقاومة الظلم اليومي، لا فقط بالرموز والشعارات. حين يرى الشاب أن الانتظار يعني أن لا يكون ظالمًا في عمله، ولا مزيفًا في حضوره الرقمي، ولا صامتًا أمام الباطل، عندها يصبح الإمام حاضرًا في وعيه لا مجرد اسم مقدّس.
وفي زمن السوشيال ميديا، حيث تنتشر المعلومات بلا تمحيص، يصبح من الواجب تقديم قضية الإمام الحجة (عج) بلغة العقل الهادئ لا الانفعال، وبخطاب يجمع بين الإيمان والفهم، بين النصّ والواقع. ليس كل ما يُنشر باسم الإمام يخدمه، وبعض النوايا الطيبة قد تسيء دون قصد حين تُغذّي الخرافة أو تبسّط المفاهيم المعقّدة.
الطرح الواعي لا يخاف من الأسئلة، ولا يهرب من النقاش، ولا يحتكر الحقيقة. بل يقدّم الإمام بوصفه أفقًا أخلاقيًا، لا أداة صراع، ومشروع بناء، لا وسيلة هروب. فالإمام الذي ننتظره ليملأ الأرض قسطًا وعدلًا، لا يمكن أن يُقدَّم في فضاء مليء بالظلم اللفظي، والتشهير، والكراهية، دون أن نراجع أنفسنا أولًا.
في النهاية، السوشيال ميديا ليست خطرًا بحد ذاتها، بل مرآة. إن قدّمنا الإمام الحجة (عج) بسطحية، فالمشكلة في وعينا، لا في المنصّة. وإن قدّمناه بصدق، وعمق، ومسؤولية، يمكن لهذا الفضاء نفسه أن يتحوّل من ضجيجٍ عابر إلى مساحة انتظارٍ ناضج.
فالانتظار الحقيقي، حتى في زمن الشاشات، يبدأ من الإنسان… لا من المنشور.








اضافةتعليق
التعليقات