كنتُ أتمشّى في شوارع مدينتي، لا لشيءٍ سوى لأرتّب فوضى قلبي.
الطرقات يومها بدت كأنها خارجة من وضوءٍ طويل؛ نظيفة، هادئة، تصطفّ على جانبيها الخُضرة كأنها صفوفُ تسبيح، والسماء فوقي صافية حدّ الشهادة زرقاء كقلبٍ لم يُدنَّس بعد.
كان الهواء خفيفًا يحمل رائحة الطمأنينة كنت أمشي وكأن المدينة تُصغي لخطاي.
لكن ما إن رفعتُ بصري قليلًا، حتى اصطدمتُ بالناس.
هذا يعبر الطريق وسماعات الغناء تسدّ أذنيه عن العالم، وتلك تقهقه بصوتٍ عالٍ، ترتدي من الثياب ما يخجل الحياء نفسه، وآخرون يمشون بلا وجهة، بلا ذكر، بلا التفاتٍ لسماءٍ تشهد عليهم.
شعرتُ فجأة أنني غريبة تسلّل الوجع إلى صدري دون استئذان، نزلت دمعة… ثم لم تكتفِ، تبعَتها دموعٌ كثيرة، حزنٌ عتيق، ثقيل، عنيف، كأنه ميراثُ قرونٍ من الغُربة.
وفي اللحظة ذاتها هطلت قطراتٌ من السماء. مطرٌ خفيف… لكنه كان كافيًا ليقول لي: لستِ وحدكِ.
كأن السماء رأتني، فواستني. أقسم بالله كدتُ أختنق. ليس لانعدام الهواء بل لثقله.
كان الهواء يعيق مسيري وأنا أرتدي عباءتي ونقابي أحمل غربتي على كتفي فأخذتُ زاويةً بعيدة عن العيون، عن الضجيج عن العالم حتى هدأ صدري… ثم أكملتُ طريقي.
عندها فقط شعرتُ بشيءٍ أشدّ وجعًا وأصدق حضورًا:
شعرتُ بوحدة الإمام. وحدته التي تشبه وحدتي. وحدته بين أناسٍ لا يرونه، ولا يشعرون به، ولا يلتفتون لغيابه كما لو كان عدمًا.
كانت نظراتهم لي تقول: من أي كوكبٍ جئتِ؟
لأنني اخترتُ سترًا في زمن التعري، وصمتًا في زمن الضجيج، ووقارًا في زمن السقوط. لكن حين ذكرتُ غربته تغيّر كل شيء داخلي. انقلب الوجع إلى قوة، والحزن إلى فخر، والانكسار إلى ثقةٍ عالية.
أدركتُ أنني بهذا الثبات أرضي إمام زماني، وأن كل خطوةٍ أقاوم بها التيار هي اقترابٌ منه لا ابتعاد.
وهنا، لا بدّ أن نقول:
إن الإنسان في هذا الزمان زمن الفتن والتشويش والوحدة أحوج ما يكون إلى أن يشعر بوجود الإمام المهدي في كل لحظة ضعف. أن يستحضره لا كفكرةٍ مؤجلة بل كحضورٍ حيّ. كحبيبٍ خفي خيرُ مؤنس، إذا ضاق الصدر وسقط القلب.
فمن يشعر بالإمام لا ينكسر، ومن يستأنس به لا يضيع، هو القوة حين نخاف والثقة حين نتردّد واليقين حين يخذلنا كل شيء.
ولهذا حين يطلّ يوم ولادة صاحب العصر والزمان لا ينبغي أن يكون يوم تهانٍ عابرة ولا كلماتٍ تُقال ثم تُنسى.
إنه يوم امتحانٍ لنا قبل أن يكون عيدًا؛ امتحان لقلوبنا: هل ما زالت حيّة؟، ولأرواحنا: هل ما زالت تنتظر؟
في يوم ولادته لا نُشعل الشموع فقط بل نُشعل وعينا. لا نزيّن الشوارع وحدها بل نكنس أرواحنا من غبار الغفلة.
فمولده ليس ذكرى تاريخ، بل نداءٌ متجدّد يقول لنا: وُلد الأمل فهل وُلدنا معه؟
نعم لنجتهد في يوم ولادته أن يكون مولد أرواحنا. أن نولد أنقياء من جديد، أشدّ ثباتًا، أوفى للستر، أصدق انتظارًا.
أن نُصلح ما استطعنا ونقاوم ما استطعنا ونبقى كما يريدنا لا كما يريد هذا الزمان. في يوم مولده، نعاهده أن لا نكون عبئًا على غربته ولا رقمًا في قافلة الغافلين، بل قلوبًا يقوى بها وإن لم نره فرؤية القلب تكفي.








اضافةتعليق
التعليقات