إنَّ اليقين ليس مجردَ تصديقٍ ذهني، بل هو "نورٌ يقذفه الله في قلب مَن يشاء"، وتتفاوتُ آثارهُ على النفوسِ بتفاوتِ مراتبِ الشهودِ والمكاشفة. ويمكنُ حصرُ طوائفِ الموقنين في مقاماتٍ سبعة، تعكسُ عمقَ الاتصالِ بالمبدأِ الأعلى:
المقام الأول: مقام المراقبة وحضور الشهود
وهم الذين استيقنوا بـ "المعيّة الإلهية"، فأبصروا بعينِ البصيرةِ إحاطةَ الحقِّ بظواهرِ أفعالهم وسرائرِ ضمائرهم. هؤلاء استشعروا دقةَ الحسابِ في كلِّ نَفَس، فصارَ حالُهم مع اللهِ دوامَ الامتثالِ وكمالَ الانزجار؛ إذ لا يغيبُ عنهم المُراقبُ طرفةَ عين.
المقام الثاني: مقام الاستغراق في بحار النعم (الشكر والحياء)
وهم الذين شَهدوا أثرَ اللطفِ الإلهي في جليلِ النعمِ ودقيقها، فأدركوا أنَّ الوجودَ بأسرهِ فيضُ إحسانٍ منه تعالى. فغلبَ عليهم "خجلُ العارف" وحياءُ المُنعَمِ عليه أمامَ عظمةِ المنعم، فاستحالتْ أنفاسُهم ذكراً، وحركاتُهم شكراً، وارتقتْ أرواحُهم في مدارجِ الامتنان.
المقام الثالث: مقام الشوق والرجاء (الاستبشار بالأبدي)
وهم الذين تيقنوا بما أعدَّ اللهُ للمؤمنين في دارِ الكرامة، فشاهدوا بقلوبهم ما "لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت"، فتاهتْ عقولُهم في ملكوتِ البهجة، وصارَ الزهدُ في الفاني عندهم طبيعةً، والشوقُ إلى الباقي ديدناً ونهجاً.
المقام الرابع: مقام التوحيد الأفعالي (الرضا والتسليم)
وهو مقامُ العارفين بأنَّ أزِمّةَ الأمورِ كلَّها بيدِ مسبّب الأسباب، وأنَّ كلَّ ما يجري في الوجودِ صادرٌ عن "الحكمةِ والعناية الأزلية" المنتظمةِ في سلكِ الخيرِ المطلق. هؤلاء لا يعرفون الاضطراب، بل حالهم "كالميت بين يدي الغسّال"؛ سكونٌ مطلق، ورضا بالقدر، وتسليمٌ لا تشوبه كدورةُ الاعتراض.
المقام الخامس: مقام الانكسار والخشية (رهبة المآب)
وهم الذين استيقنوا بـ "حقيقة الموت" كبوابةٍ للقاء العظيم، فرأوا أنفسهم مفلسين من الزاد، متهمين لأعمالهم بالقصور. هؤلاء إذا ذُكرَ الموتُ ارتعدتْ فرائصُهم، وتأمّلوا في صحائفِ أعمالهم بندمِ الصادقين، فصارَ الحزنُ جليسَهم، والبكاءُ أنيسَهم، خوفاً من الوقوفِ بين يدي الجبارِ بغيرِ حُجّة.
المقام السادس: مقام الزهد في حطام الفناء
وهم الذين أيقنوا بـ "خساسة الدنيا" وسرعةِ زوالها، فاعتبروا بمصائرِ الطغاةِ والجبابرةِ الذين طواهم الفناء. امتثلت أرواحهم لقول الصادق (ع): "عجبتُ لمن أيقن بالموتِ كيف يفرح"؛ فلم يركنوا لدارِ الغرور، واستعدوا لرحلةِ البرزخِ بقلبٍ منقطعٍ عما سوى الله.
المقام السابع: مقام الهيبة والدهشة (فناء العظمة)
وهو المقامُ الأسمى الذي تجلّتْ فيه عظمةُ اللهِ القاهرة، فاستغرقتْ أرواحَهم في ذهولٍ قدسيّ. هو مقامُ سيدِ المرسلين (ص) الذي كان يذوبُ خشوعاً حتى يكادُ يسقطُ على الأرضِ هيبةً من جلالِ الربوبية. هؤلاء إذا قاموا للصلاةِ غابوا عن الأهلِ والخلان، وانمحتْ في شهودهم الكثرةُ، فلا يشعرون إلا بـ "الواحدِ القهار".
إنَّ هؤلاءِ "عبادُ الحبِّ"، الذين عبدوا اللهَ لا خوفاً من نارٍ ولا طمعاً في جنة، بل وجدوهُ أهلاً للعبادةِ فعاشوا له وبه.








اضافةتعليق
التعليقات