• الرئيسية
  • كل المواضيع
  • الاتصال بنا
facebook twitter instagram telegram
بشرى حياة
☰
  • اسلاميات
  • حقوق
  • علاقات زوجية
  • تطوير
  • ثقافة
  • اعلام
  • منوعات
  • صحة وعلوم
  • تربية
  • خواطر

خذلان باسم الأبوة

زينب شاكر السماك / الخميس 25 ايلول 2025 / تربية / 1531
شارك الموضوع :

كيف يكون الأب أقسى من الغياب، وأشدّ فتكاً من الموت، حين يختار أن يعق ابنته باللامبالاة

في زحام الأصوات المليئة بالحنين، جلست فتاة تصغي لأحاديث زميلاتها عن آباء يشبهون الحصون. إحداهن تروي عن أبٍ لم يعرف الكلل، يسهر ليوفر لها ما تريد، وأخرى تتغنّى بضحكاته وحكاياته التي تملأ بيتها دفئاً، وثالثة تبكي والدها الذي ابتلعه الموت لكنه ظل حياً في تفاصيلها، ورابعة تعترف أن أباها المريض صار طفلها الذي ترعاه بكل فخر. أما هي، فكان صمتها أبلغ من كل الكلمات، وكان قلبها يرتجف من سؤالٍ تعرف أنه سيأتي: “وأنتِ، ماذا عن أبيك؟”.

كيف تُجيب؟ ماذا تقول عن رجلٍ لم يمت، ولم يغب بجسده، لكنه لم يحضر يوماً بروحه؟ كيف تصف أباً كان موجوداً في البيت، لكنه كان غائباً عن الحياة، عن الأحاديث، عن لحظات الحنان الصغيرة التي تُبنى بها ذاكرة الأبوة؟ لقد حاولت أن تفتش في أرشيف طفولتها عن مشهد واحد يجمعها به، عن كلمة دعم، عن ابتسامة رضا، لكنها لم تجد إلا بروداً يجلدها وصمتاً يُرعبها.

كانت هي الوحيدة بين إخوتها، تظن أنها مدللته، لكنها كانت أكثرهم انكساراً. ظلت تراه بطلاً في خيالها، ثم بطلاً سقط، ثم شبحاً يُخيفها ولا يؤنسها. لقد كبُرت وهي تحمل في قلبها سؤالاً مُلتهباً: لماذا لم يكن أبي أباً كما ينبغي؟ لماذا لم أحب في عينيه ملامحي؟ لماذا كنتُ غريبة في حضرته؟.

هذا هو العقوق الذي لا يُكتب عنه كثيراً: عقوق الأب لابنته. عقوق لا يُقاس بالصوت المرتفع أو اليد الغاضبة، بل بغياب الحضور، بقتله المعنوي للطفولة، بحرمانها من أبسط حقوقها: أن تشعر أن لها مكاناً في قلبه. إن الأب حين يعق ابنته لا يسلبها لحظة عابرة، بل يسلبها ثقتها بذاتها، يتركها تكبر وفي قلبها سؤال ملتهب: “أي ذنب فيَّ جعلني غير كافية لأحظى بأب يحتويني؟”.

لقد كبُرت وهي تتعلم أن تحمل أعباءها وحدها، أن تكون صلبة في وجه الانكسار، أن تبحث في داخلها عن سندٍ يفترض أن يكون خارجها. لكنّ القوة المبكرة ليست بطولة، بل جرح مغلف بالصلابة. كل فتاة تحتاج إلى أبٍ يعلّمها أن العالم مكان آمن، أن الرجال يمكن أن يكونوا عطاءً لا تهديداً، أن قلبها يستحق أن يُحاط بالحب. وحين يتخلى الأب عن هذه المهمة، فإنه لا يعق ابنته وحدها، بل يعق مستقبلها، يعق نظرتها للعلاقات، ويعق صورة الرجل في خيالها كله.

في أعماق النفس، يترك العقوق ندوباً خفية لا تراها العيون. ذلك العقوق الذي مارسه والدها لم يسرق طفولتها فحسب، بل انتزع منها صورة الرجل في حياتها كلها. تركها تسير تائهة، تبحث عن الأمان في وجوه الآخرين، أو تهرب من فكرة الرجل خشية تكرار الخذلان. حاولت مراراً أن ترسم له ملامح أب صالح في خيالها، أن تمنحه صورة تستحقها، لكن كل محاولاتها كانت تتكسر بين يديها كما تتشظى المرآة المشروخة، التي لا يمكن أن تعكس وجهاً كاملاً أبداً.

إن عقوق الأب لابنته جريمة صامتة، لا تُسجّل في دفاتر القضاء ولا تُعاقبها القوانين، لكنها تزرع ندوباً في الروح لا يراها أحد. الأب الذي يعق ابنته لا يعقها في حاضرها فقط، بل يُعقّد مستقبلها أيضاً، يحرمها من التوازن العاطفي، من الأمان، من صورة الرجل الذي تستحق أن تراه سنداً لا شبحاً.

لقد كان يمكن لتلك الفتاة أن تتحدث بين زميلاتها عن أبٍ عظيم كما يفعلن، لكنّها لم تجد ما تقوله سوى صمتٍ ثقيل. صمتها كان مقالاً، ودمعتها كانت شهادة. وحين التفتت إلى ذاتها سألت سؤالاً لا يُجاب: كيف يكون الأب أقسى من الغياب، وأشدّ فتكاً من الموت، حين يختار أن يعق ابنته باللامبالاة.

قصة
السلوك
العاطفة
الحزن
الأب
شارك الموضوع :

اضافةتعليق

    تمت الاضافة بنجاح

    التعليقات

    آخر الإضافات للكاتب (ة):

    ما وراء الحرية.. حين يصبح الاختلاف تهمة!

    ما وراء الحرية.. حين يصبح الاختلاف تهمة!

    الأحد 18 تشرين الاول 2026/
    التخطّي... حين نتعلّم أن نترك ما لا نستطيع تغييره

    التخطّي... حين نتعلّم أن نترك ما لا نستطيع تغييره

    الأربعاء 07 تشرين الاول 2026/
    أول يوم مدرسة.. حين تبدأ الحكاية قبل أن يرنّ الجرس

    أول يوم مدرسة.. حين تبدأ الحكاية قبل أن يرنّ الجرس

    الثلاثاء 29 ايلول 2026/
    الأرقام تتحدث... والأسرة تستغيث

    الأرقام تتحدث... والأسرة تستغيث

    السبت 05 ايلول 2026/
    بين الأبوة الصامتة وغياب الأبناء… من كسر من؟

    بين الأبوة الصامتة وغياب الأبناء… من كسر من؟

    الأحد 23 آب 2026/
    في ذكرى رحيل رسول الله… ماذا أبقينا من أثره في حياتنا؟

    في ذكرى رحيل رسول الله… ماذا أبقينا من أثره في حياتنا؟

    السبت 15 آب 2026/

    آخر الاضافات

    الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ.. وَحْدَةُ الْعُنْوَانِ وَتَعَدُّدُ الْجَزَاءِ (٢)

    بين المصعد والسلالم… اختيار يومي يصنع فرقًا

    كيف نتعامل مع الكمالية؟

    بعد النجاة من سرطان الثدي.. نساء يحوّلن الألم إلى قصص نجاح وإلهام

    لماذا تهرب الزوجات من "الاختصار الذكوري" إلى أحضان الذكاء الاصطناعي؟

    الصاحب ساحب... حين تصنع الصداقة مصير الإنسان

    التعلّم النشط: أساليب تصنع المشاركة والإبداع

    هل تكشف ملامح الوجه عن نقص الحديد في الجسم؟

    آخر القراءات

    امضِ قدما نحو سلم النجاح

    النشر : السبت 08 نيسان 2017
    اخر قراءة : منذ 25 دقيقة

    الشخص العدواني: كيف يمكن أن نتعامل مع سلبية هذه الشخصية؟

    النشر : الثلاثاء 30 تشرين الثاني 2021
    اخر قراءة : منذ 25 دقيقة

    إملأ الفراغات التالية...

    النشر : الثلاثاء 02 نيسان 2019
    اخر قراءة : منذ 25 دقيقة

    ما هي كمية الخبز المسموح بتناولها يوميا؟

    النشر : الثلاثاء 12 ايلول 2023
    اخر قراءة : منذ 25 دقيقة

    نصائح لإدارة الوقت بشكل منظم وفعال

    النشر : السبت 21 آيار 2022
    اخر قراءة : منذ 25 دقيقة

    أهم النشاطات التي تزيد من قدرات طفلك العقلية

    النشر : الأحد 02 كانون الثاني 2022
    اخر قراءة : منذ 25 دقيقة

    الأكثر قراءة

    • اسبوع
    • شهر

    من يملك وقتك؟

    • 532 مشاهدات

    المرأة وصناعة الأثر.. الزهراء عليها السلام نموذجًا

    • 491 مشاهدات

    تورّم القدمين وانتفاخ الجسم.. متى يصبح احتباس السوائل مؤشراً للخطر؟

    • 333 مشاهدات

    السيدة الزهراء.. الشاهد الأول والضحية الأولى لأحداث السقيفة

    • 330 مشاهدات

    السيدة الزهراء والأحكام الإلهية… حين يكون الامتثال يقينًا بالحكمة

    • 329 مشاهدات

    السيدة الزهراء.. رائدة الثورة وشهيدة الولاية

    • 324 مشاهدات

    الفضاء الرقمي وسؤال الأثر: بين الانسياق العابر وتصنيع القيمة

    • 1573 مشاهدات

    في ذكرى ولادتها المباركة: السيدة زينب منارة الصبر ورسالة الوعي المعاصر

    • 1173 مشاهدات

    من ينقذ المسعف؟

    • 1027 مشاهدات

    الجرح الذي لا يبرأ: الأبعاد الفكرية والتأسيسية لشهادة الصديقة الكبرى وتوصيات للشباب

    • 801 مشاهدات

    في أكتوبر الوردي… الوعي خطوة نحو الحياة

    • 719 مشاهدات

    تحت شعار نقرأ لنرتقي.. جمعية المودة تقيم أمسية ثقافية بالذكرى العاشرة لتأسيس نادي أصدقاء الكتاب

    • 554 مشاهدات

    facebook

    Tweets
    صفحة للمرآة العربية تهتم بالفكر والثقافة والصحة والعلم

    الأبواب

    • اسلاميات
    • حقوق
    • علاقات زوجية
    • تطوير
    • ثقافة
    • اعلام
    • منوعات
    • صحة وعلوم
    • تربية
    • خواطر

    اهم المواضيع

    الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ.. وَحْدَةُ الْعُنْوَانِ وَتَعَدُّدُ الْجَزَاءِ (٢)
    • منذ 6 ساعة
    بين المصعد والسلالم… اختيار يومي يصنع فرقًا
    • منذ 6 ساعة
    كيف نتعامل مع الكمالية؟
    • منذ 6 ساعة
    بعد النجاة من سرطان الثدي.. نساء يحوّلن الألم إلى قصص نجاح وإلهام
    • منذ 6 ساعة

    0

    المشاهدات

    0

    المواضيع

    اخر الاضافات
    راسلونا
    Copyrights © 1999 All Rights Reserved by annabaa @ 2026
    2026 @ بشرى حياة