في صباح اليوم الأول من المدرسة، يبدو المشهد بسيطًا للوهلة الأولى: حقيبة جديدة، زيّ مرتب، دفاتر لم تُفتح بعد، وطفل يقف أمام باب المدرسة بخطوات مترددة. لكن خلف هذا المشهد الصغير تبدأ حكاية أكبر؛ حكاية أمّ تحاول إخفاء قلقها، ومعلمة تستعد لاستقبال وجوه لا تعرف قصصها، وطفل يدخل للمرة الأولى عالمًا يتجاوز حدود البيت.
فماذا يحتاج الطفل في يومه الأول؟
ربما لا يحتاج إلى عشرات الوصايا بقدر ما يحتاج إلى وجه مطمئن يقول له: "أنا أثق بك".
الأم في هذا اليوم لا تودّع طفلها فقط، بل تبدأ تدريجيًا بتعليمه واحدة من أصعب مهارات الحياة: أن يمضي قدمًا من دون أن تكون يدها ممسكة بيده طوال الوقت. لذلك، من الجميل أن تمنحه الطمأنينة بدل التخويف، وأن تستبدل عبارة «لا تبكِ» بعبارة «إذا اشتقت إليّ، تذكّر أنني بانتظارك».
فالطفل قد يخاف من المكان الجديد، أو يتردد في الحديث، أو يعود إلى المنزل متذمرًا من المدرسة. وكل ذلك لا يعني أنه يرفض التعليم، بل ربما يحتاج إلى وقت حتى يشعر بالأمان والانتماء.
وهنا يأتي دور الأسرة في الإصغاء.. بدل أن يكون السؤال الأول عند عودته: «كم أخذت؟»، يمكن أن يكون: «كيف كان يومك؟ ماذا أسعدك؟ هل هناك شيء أزعجك؟». فهذه الأسئلة تفتح باب الحوار، وتمنح الطفل شعورًا بأن مشاعره مهمة، لا أن قيمته مرتبطة بعلاماته فقط.
أما المعلمة، فإن مهمتها في اليوم الأول تتجاوز الكتاب والدرس، في الصف قد تجلس طفلة تخشى الانفصال عن أمها، وطفل خجول لا يرفع يده، وآخر كثير الحركة لأنه لا يعرف كيف يعبّر عن توتره. وقد تكون المعلمة أول شخص خارج الأسرة يستطيع أن يمنحهم شعورًا حقيقيًا بالأمان.
ابتسامتها، نبرة صوتها، طريقة مناداتها للطفل باسمه، وحتى تعاملها مع إجابته الخاطئة، كلها رسائل تربوية غير مكتوبة. فحين تقول للطفل: «حاول مرة أخرى» بدل «إجابتك خاطئة»، فإنها لا تصحح إجابة فحسب، بل تعلّمه أن الخطأ مرحلة من مراحل التعلم، وأن المحاولة ليست عيبًا.
وفي المقابل، تحتاج المدرسة إلى أسرة تؤمن بأن التربية مسؤولية مشتركة. فلا ينبغي أن تتحول العلاقة بين البيت والمعلمة إلى مساحة للاتهام عند أول مشكلة، بل إلى شراكة تبحث عن السبب والحل، وتضع مصلحة الطفل في مقدمة الأولويات.
أما الطفل، فلا نحتاج منه في أيامه الأولى أن يكون مثاليًا. نحتاجه أن يتعلم كيف يسأل، وكيف يصادق، وكيف يحافظ على أغراضه، وكيف يعتذر عندما يخطئ، وكيف يجرّب مرة أخرى عندما لا ينجح.
كما أن المقارنة بين الأطفال ليست طريقًا مختصرًا للنجاح. لكل طفل شخصيته، وقدراته، وسرعته الخاصة في التعلم. وما يبدو تأخرًا اليوم قد يكون مجرد بداية مختلفة لمسار مميز غدًا.
في النهاية، قد ننسى أول درس، وأول واجب، وحتى شكل الدفتر الأول، لكن الطفل غالبًا لن ينسى كيف جعلناه يشعر في ذلك الصباح. لذلك، لنجعل بداية العام الدراسي أكثر من افتتاحٍ لصفوف جديدة؛ لنجعلها بداية علاقة صحية مع العلم، ومع المدرسة، ومع الذات.
فأجمل ما يمكن أن يحمله الطفل إلى مدرسته في يومه الأول ليس حقيبته الجديدة فقط، بل شعورًا راسخًا يقول: أنا لست مطالبًا بأن أكون كاملًا… يكفيني أن أحاول، وهناك من يؤمن بي.








اضافةتعليق
التعليقات