ما إن تنتهي مراسم زيارة أربعين الإمام الحسين عليه السلام، وتبدأ مواكب الزائرين بالعودة من كربلاء، حتى يبدو للوهلة الأولى أن المشهد قد أسدل ستاره؛ تهدأ الطرق، تخف أصوات المواكب، تُطوى الرايات، وتعود المدن شيئاً فشيئاً إلى إيقاعها المعتاد.
لكن بالنسبة إلى المحبين، لا تنتهي الحكاية هنا.
فكربلاء لا تترك زائرها كما جاء. من يمشي إليها يحمل قدميه، لكنه يعود منها بقلب مختلف؛ يحمل في داخله أثراً من الحزن، وشيئاً من الوفاء، وإحساساً بأن الزيارة لم تكن رحلة إلى مكان، بقدر ما كانت رحلة إلى معنى.
ولهذا، ما إن تنتهي أربعين الامام الحسين عليه السلام، حتى تتوجه الأنظار والأقدام والمواكب صوب أمير المؤمنين الإمام علي عليه السلام، وكأن الطريق من كربلاء لا يقود إلى البيوت، بل يقود إلى قلب آخر من قلوب أهل البيت عليهم السلام، لنقول للامام علي عليه السلام: نعلم أن جرحك لم يكن جرحاً واحداً.
هناك، عند ضريح أمير المؤمنين عليه السلام، تستعيد الذاكرة فاجعة رحيل رسول الله محمد ﷺ؛ فلا يقف المؤمنون لاستذكار حادثة تاريخية فحسب، وإنما يقفون أمام واحدة من أكثر اللحظات ألماً في حياة الإمام علي عليه السلام: لحظة فقد رسول الله ﷺ.
فمحمد ﷺ لم يكن بالنسبة إلى علي عليه السلام مجرد رسول وقائد، بل كان أخاً وولياً ومعلماً ورفيق طريق، عاش معه منذ بدايات الرسالة، وشهد نزول الوحي، وتحمل معه الأذى، ووقف إلى جانبه في أصعب مراحل الدعوة.
كان الامام علي عليه السلام يعرف رسول الله ﷺ معرفة من عاش معه تفاصيل الرسالة، ولذلك لم يكن رحيله فقد شخص عزيز فحسب؛ بل كان غياب صوتٍ عاش معه، وقائدٍ حمل معه أعباء الرسالة، ونبيٍّ كان يمثل له معنى عظيماً من معاني الحياة.
ومن هنا تصبح مواساة أمير المؤمنين عليه السلام في وفاة رسول الله ﷺ أكثر من حضور في مكان أو إحياء مناسبة؛ إنها إعلان حالة وفاء، وتجديد محبة، واستمرار لعلاقة لا تنتهي بانتهاء المواسم. وكأن الزائر بعد الأربعين لا يغادر كربلاء تماماً، بل يحملها معه إلى النجف الأشرف.
في كربلاء سألنا: كيف استطاع الحسين عليه السلام أن يرى أهل بيته وأصحابه يرحلون واحداً تلو الآخر؟
وعند ذكرى رحيل النبي ﷺ، يتغير السؤال: كيف استطاع علي بن أبي طالب عليه السلام أن يودع رسول الله ﷺ، وهو يرى ظهراً عظيماً من أظهر النبوة يغادر الدنيا؟
هنا تلتقي الدموع، وتلتقي المصائب، ويلتقي الوفاء.
فالحسين عليه السلام ليس بعيداً عن رسول الله ﷺ؛ هو حفيده وريحانته، والامام علي عليه السلام ليس بعيداً عن الحسين؛ هو أبوه ووليّه وإمام أهل البيت عليهم السلام. لذلك لا تبدو هذه المناسبات صفحات منفصلة في التاريخ، وإنما تبدو كأنها خيط واحد يمتد من رسول الله ﷺ إلى علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام.
فالزيارة ليست مسافة نقطعها بالأقدام فقط، وإنما معانٍ نقطعها بالقلوب. قد تنتهي الطريق إلى كربلاء، لكن طريق الولاء لا ينتهي. وقد تُطوى الخيام، وتعود المواكب إلى مدنها، وتهدأ الطرق التي ضجّت بخطى الزائرين، لكن الحزن على رسول الله ﷺ يعيد فتح أبواب الذاكرة، ويمنح للعودة معنى آخر.
إن الزائر الذي أنهكته المسافات، وأتعبته حرارة الطريق، وشارك في خدمة الآخرين، لا ينبغي أن يعود كما كان. فالأربعين ليست اختباراً للقدرة على المشي فقط، بل اختبار لمعنى المحبة والوفاء. لقد تعلم أن المحبة تحتاج إلى خطوة، وأن الوفاء لا ينتهي بانتهاء المناسبة، وأن الانتماء الحقيقي ليس فيما نقوله وسط الحشود، وإنما فيما نحمله معنا حين نعود إلى حياتنا اليومية.
ولهذا، تبدو حركة المواكب بعد الأربعين وكأنها رسالة رمزية:
يا علي… جئنا من عند الحسين.
جئنا من أرض ما زالت تحمل صدى عطش كربلاء، ومن طرق مشى عليها ملايين العاشقين، ومن مجالس ارتفع فيها اسم الحسين، ومن دموع لم تجف بعد.
جئنا لنقول لك إننا لم ننسَ رسول الله ﷺ.
جئنا من عند الحسين، حفيد رسول الله، لنواسيك في رسول الله.
وهكذا تتحول الرحلة من كربلاء إلى النجف من مجرد انتقال جغرافي إلى رحلة في ذاكرة أهل البيت عليهم السلام؛ من الحسين إلى جده رسول الله ﷺ، ومن دمعة الأربعين إلى دمعة المواساة، ومن مشهد الشهادة إلى مشهد الفقد.
فالمواكب قد تعود، والرايات قد تُطوى، والطرقات قد تهدأ… لكن الحب لا يعود إلى نقطة الصفر.
ولهذا، حين تنتهي الأربعين، لا تنتهي الرحلة. بل تبدأ رحلة أخرى؛ رحلة وفاء يحمل فيها الزائر رسالة من كربلاء إلى أمير المؤمنين عليه السلام، وكأن الملايين التي غادرت كربلاء تقول له:
يا أمير المؤمنين… جئنا نعزّيك برسول الله ﷺ، ولم نأتِ من فراغ؛ جئنا من عند الحسين عليه السلام.








اضافةتعليق
التعليقات