• الرئيسية
  • كل المواضيع
  • الاتصال بنا
facebook twitter instagram telegram
بشرى حياة
☰
  • اسلاميات
  • حقوق
  • علاقات زوجية
  • تطوير
  • ثقافة
  • اعلام
  • منوعات
  • صحة وعلوم
  • تربية
  • خواطر

غريبُ الغرباء... وأنيسُ النفوس

زينب شاكر السماك / الخميس 13 آب 2026 / تربية / 480
شارك الموضوع :

وربما لهذا السبب يشعر الزائر في حرم الإمام الرضا عليه السلام بمزيج عجيب من السكينة والحزن

في رحاب الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام، لا يشعر الزائر أنه دخل مكاناً يضم ضريحاً فحسب، بل يحس وكأنه عبر بوابةً إلى عالمٍ آخر؛ عالمٍ تتداخل فيه الأرض بالسماء، ويصبح فيه الصمت أبلغ من الكلام، وتغدو الدموع أسرع من الحروف إلى التعبير عمّا يختلج في القلب. هناك، في حضرة من لُقِّب بـ«أنيس النفوس»، يدرك الإنسان أن الزيارة ليست خطواتٍ تقطعها الأقدام بين أبواب الحرم وأروقته، بل رحلةٌ يخوضها القلب في أعماقه حتى يبلغ شاطئ الطمأنينة.

ولعل أكثر ما يدهشني أن هذا الشعور لا يفقد جدّته مهما تكررت الزيارة؛ ففي كل مرة أتشرف فيها بالقدوم إلى الإمام الرضا عليه السلام، أشعر أن زيارتي لا تنتهي عند السلام، ولا تكتمل بقراءة الزيارة وأداء الصلاة، بل تبدأ بعد ذلك بلحظاتٍ أخرى أكثر هدوءاً وصدقاً. شيءٌ خفيّ يدفعني دائماً إلى البقاء، إلى الجلوس بصمت في إحدى زوايا الحرم، وكأن قلبي يحتاج إلى خلوةٍ خاصة مع الإمام؛ خلوةٍ لا يكثر فيها الكلام، لأن بعض المشاعر أصدق من أن تُقال، وبعض الآلام أعمق من أن تصفها العبارات.

أجلس هناك طويلاً، لا أطلب شيئاً محدداً، ولا أرتب دعائي بعبارات محفوظة، بل أترك قلبي يتحدث بلغته الخاصة، وأشعر وكأن الإمام يسمع ما تعجز الكلمات عن حمله. ومع مرور الدقائق يبدأ ضجيج الحياة بالابتعاد شيئاً فشيئاً؛ تتلاشى الأصوات التي كانت تملأ الرأس، وتخفّ الأثقال التي كانت تستقر على الصدر، حتى أكاد ألمس السكينة وهي تنساب إلى داخلي بهدوءٍ لا يشبه أي هدوء عرفته في مكان آخر.

وربما لهذا السبب استحق الإمام الرضا عليه السلام لقب «أنيس النفوس»؛ لأنه لا يواسي الأجساد فحسب، بل يربت على الأرواح المتعبة، ويمنح القلوب شعوراً بالأمان لا تصنعه الدنيا بكل ما فيها. فكم من زائر دخل حرمَه مثقلاً بالهموم، ثم خرج منه أخفّ قلباً، وأكثر يقيناً، وكأن الإمام أعاد إلى روحه شيئاً كانت الحياة قد سرقته منها.

وفي إحدى تلك الزيارات، قادتني قدماي إلى القبو الشريف. لم أكن أقصد اكتشاف شيء بعينه، بل كنت أبحث عن مزيدٍ من القرب والسكينة. وهناك، وبين هدوء المكان وهيبته، استوقفتني الألوان والزخارف المحيطة بالمقام الشريف، فإذا بي أنتقل من تأمل الصمت إلى تأمل الجمال، ومن الإصغاء إلى القلب إلى قراءة المعاني المخبأة في زرقة السماء وبريق الذهب وسكينة التفاصيل التي تحيط بضريح غريب الغرباء، الإمام الرضا عليه السلام.

ظللت أحدق فيها طويلاً، وشعرت أن اللون الأزرق في السقف لم يُختر عبثاً، بل ليحمل شيئاً من سكينة الإمام وطمأنينته. ذلك الهدوء الذي يشعر به كل زائر، حتى وإن جاء مثقلاً بالهموم. أما الذهب، فقد بدا وكأنه يروي عظمة هذا الإمام الذي جمع بين العلم والحلم والكرم، حتى صار قبلةً للقلوب قبل أن يكون قبلةً للزائرين.

ثم انتقلت عيناي إلى لوحة أخرى امتزج فيها الأسود مع البيج والذهب، فوجدتني أغوص أكثر في المعنى. شعرت أن الأسود يرمز إلى الثبات في وجه الظلم، وإلى المواقف التي لا تتبدل مهما تغيرت الظروف، وكأنه يحكي قصة الإمام الرضا عليه السلام مع المأمون العباسي، حين أراد أن يجعل من ولاية العهد وسيلة لتجميل حكمه، لكن الإمام بقي إماماً للحق، لا أسيراً للسلطان. أما البيج، بلونه الهادئ، فذكرني بتواضعه وقربه من الناس، حتى إن التاريخ يحدثنا عن إمام كان يجلس مع الفقراء، ويؤاكلهم، ويعامل الجميع بوجه واحد وقلب واحد، فلا يرى لنفسه فضلاً إلا بما يقربه من الله.

كلما تأملت تلك الألوان، شعرت بأنها كانت لغة صامتة تحكي شخصية الإمام (عليه السلام) هناك من يكتب السيرة بالحروف، وهناك من يكتبها بالألوان، وقد قرأت في تلك الزخارف ما لم أقرأه في كثير من الكتب.

لكن شيئاً آخر تسلل إلى قلبي وأنا أتأمل المكان. تذكرت أن صاحب هذا الجمال، وصاحب هذه السكينة، انتهت حياته شهيداً مسموماً. أي مفارقة مؤلمة! رجل ملأ الدنيا رحمةً وعلماً، يُغتال غريباً بعيداً عن مدينة جده رسول الله صلى الله عليه وآله، لأن الطغاة خافوا من نور الحق أكثر مما خافوا من السيوف.

وربما لهذا السبب يشعر الزائر في حرم الإمام الرضا عليه السلام بمزيج عجيب من السكينة والحزن. سكينةٌ لأنه في حضرة ولي من أولياء الله، وحزنٌ لأنه يتذكر حجم الظلامة التي لحقت بأهل بيت النبوة عليهم السلام. ومع ذلك، فإن هذا الحزن لا يورث انكساراً، بل يمنح القلب يقيناً بأن دماء الشهداء لا تموت، وأن الله يرفع ذكر أوليائه مهما حاول الظالمون إخفاء نورهم.

خرجت من تلك الجلسة وأنا على يقين أنني لم أكن أتأمل زخارف فحسب، بل كنت أقرأ رسالة. رسالة تقول إن الجمال إذا اقترن بالإيمان يصبح عبادة، وإن الألوان تستطيع أن تروي سيرة إمام كما ترويها الكتب، وإن الإمام الرضا عليه السلام ما زال، بعد أكثر من ألف عام على استشهاده، يؤنس النفوس كما كان يؤنسها في حياته.

ولهذا، في كل مرة أغادر فيها مشهده الشريف، أقول في نفسي: سأعود. ليس لأن الزيارة انتهت، بل لأن القلب لا يكتفي من الجلوس مع الإمام الرضا عليه السلام، ولأن هناك في حضرته سلاماً لا أجده في أي مكان آخر.

الشيعة
الإمام الرضا
الايمان
الحب
الدين
شارك الموضوع :

اضافةتعليق

    تمت الاضافة بنجاح

    التعليقات

    آخر الإضافات للكاتب (ة):

    الأرقام تتحدث... والأسرة تستغيث

    الأرقام تتحدث... والأسرة تستغيث

    السبت 05 ايلول 2026/
    بين الأبوة الصامتة وغياب الأبناء… من كسر من؟

    بين الأبوة الصامتة وغياب الأبناء… من كسر من؟

    الأحد 23 آب 2026/
    في ذكرى رحيل رسول الله… ماذا أبقينا من أثره في حياتنا؟

    في ذكرى رحيل رسول الله… ماذا أبقينا من أثره في حياتنا؟

    السبت 15 آب 2026/
    بعد الأربعين تبدأ المواساة… إلى أمير المؤمنين في ذكرى رحيل النبي الأكرم

    بعد الأربعين تبدأ المواساة… إلى أمير المؤمنين في ذكرى رحيل النبي الأكرم

    الأثنين 10 آب 2026/
    في قلب الطف: أختٌ بين إمامٍ ولواء

    في قلب الطف: أختٌ بين إمامٍ ولواء

    الأربعاء 15 تموز 2026/
    رحلات يومية لا تحتاج إلى حقائب

    رحلات يومية لا تحتاج إلى حقائب

    الأحد 05 تموز 2026/

    آخر الاضافات

    شغف الثُّمانينات أم غباءٌ رقمي؟ حين يحوّل الترند أجيال كاملة إلى فئران تجارب

    كيف نتواصل مع المراهق؟

    تقنيات ذكية لمساندة مرضى ألزهايمر وتهدئة نوبات الاضطراب

    أصداء : حين يرمم الأثرُ انكسارَ السند

    حين يصبح الصمت موقفًا

    رغم تسببها في الانتفاخ.. لماذا لا يجب حذف الأطعمة المسببة للغازات من نظامك الغذائي؟

    قراءة في كتاب: من حياة الإمام العسكري (عليه السلام)

    حين يكون الردّ الأخلاقي أقوى من الانتقام

    آخر القراءات

    أنقذوهم من الأقفاص وقتلوهم في النهر.. جريمة بدافع الحب

    النشر : الأحد 21 حزيران 2026
    اخر قراءة : منذ 32 دقيقة

    احلام مؤجلة

    النشر : الأحد 30 تموز 2017
    اخر قراءة : منذ 33 دقيقة

    بين الأدب العربي والغربي العالمي.. أين يجد الشباب ضالتهم؟

    النشر : الأربعاء 03 حزيران 2020
    اخر قراءة : منذ 33 دقيقة

    خريف العمر

    النشر : الأثنين 06 شباط 2017
    اخر قراءة : منذ 33 دقيقة

    ثورات على نهج شهيد كربلاء

    النشر : الأربعاء 25 آب 2021
    اخر قراءة : منذ 33 دقيقة

    في يوم السلام العالمي: كيف يوجب الرضا السلام والسكينة؟

    النشر : السبت 23 ايلول 2023
    اخر قراءة : منذ 33 دقيقة

    الأكثر قراءة

    • اسبوع
    • شهر

    الاستعداد النفسي للولادة.. حين تكون الطمأنينة نصف الطريق إلى الأمومة

    • 475 مشاهدات

    الإمام الحسن العسكري… دروسٌ في صناعة المنتظر

    • 431 مشاهدات

    أصداء : حين يرمم الأثرُ انكسارَ السند

    • 422 مشاهدات

    كيف تصبحين السيدة الأولى قرآنياً؟ سيدة نساء العالمين تجيبكِ

    • 314 مشاهدات

    للورد الأحمر حكاية

    • 304 مشاهدات

    نجمة في سماء قمّ

    • 303 مشاهدات

    ميلادان… ومشروع واحد: حين يولد النور مرتين

    • 1247 مشاهدات

    فجر الصادق: حين يتكلم النور ويكتمل العقل

    • 792 مشاهدات

    ولادة مَنْ أضاءَ الكونَ نوراً: نبيّ الرحمةِ والإنسانية

    • 694 مشاهدات

    ميلادُ الرحمة… حين وُلد أبٌ لهذه الأمة

    • 591 مشاهدات

    العام الدراسي.. بين فرحة الأبناء وثقل المصاريف على الأسر

    • 587 مشاهدات

    في رحاب الاحتواء: قيمة الإنسان حين يصبح وطناً

    • 578 مشاهدات

    facebook

    Tweets
    صفحة للمرآة العربية تهتم بالفكر والثقافة والصحة والعلم

    الأبواب

    • اسلاميات
    • حقوق
    • علاقات زوجية
    • تطوير
    • ثقافة
    • اعلام
    • منوعات
    • صحة وعلوم
    • تربية
    • خواطر

    اهم المواضيع

    شغف الثُّمانينات أم غباءٌ رقمي؟ حين يحوّل الترند أجيال كاملة إلى فئران تجارب
    • منذ 17 ساعة
    كيف نتواصل مع المراهق؟
    • منذ 17 ساعة
    تقنيات ذكية لمساندة مرضى ألزهايمر وتهدئة نوبات الاضطراب
    • منذ 17 ساعة
    أصداء : حين يرمم الأثرُ انكسارَ السند
    • السبت 26 ايلول 2026

    0

    المشاهدات

    0

    المواضيع

    اخر الاضافات
    راسلونا
    Copyrights © 1999 All Rights Reserved by annabaa @ 2026
    2026 @ بشرى حياة