• الرئيسية
  • كل المواضيع
  • الاتصال بنا
facebook twitter instagram telegram
بشرى حياة
☰
  • اسلاميات
  • حقوق
  • علاقات زوجية
  • تطوير
  • ثقافة
  • اعلام
  • منوعات
  • صحة وعلوم
  • تربية
  • خواطر

أمٌّ في منتصف العاصفة

زينب شاكر السماك / الأحد 23 تشرين الثاني 2025 / حقوق / 847
شارك الموضوع :

هي أمّ تعيش بين مطرقتين: عملٍ يستنزفها وبيتٍ يشتاقها، تحاول أن تقف في المنتصف دون أن تسقط

في كل مساء، حين يهدأ ضجيج العالم، تخلع الأم العاملة معطف العمل وتجلس أمام مرآتها، لا لتُصلح شعرها، بل لتتأمل وجهها الذي صار يحمل ملامح تعبٍ لا يراه أحد.

تُحادث نفسها بصوتٍ خافتٍ يتناوب بين التنهيدة والسؤال:

هل أنا أمٌّ قاسية؟

سؤال يتكرّر في أعماقها كما يتكرّر النبض، كأنه خُلق ليذكّرها بأنّ في داخلها قلبًا لم يهدأ يومًا، قلبًا يرفض أن يتصالح مع فكرة التقصير، مهما كانت الظروف.

ليست قسوتها قرارًا، بل قناع الحنان المرهق.

فهي أمّ تعيش بين مطرقتين: عملٍ يستنزفها وبيتٍ يشتاقها، تحاول أن تقف في المنتصف دون أن تسقط.

كثيرًا ما تسأل نفسها في نهاية كل يوم طويل: هل أنا صارمة أكثر مما ينبغي؟ هل فشلت في أن أكون الأم التي تمنّيتها لابنتي؟ تُحاكم ذاتها حين تضع رأسها على الوسادة، وكأنّها في محكمةٍ لا قاضٍ فيها إلا ضميرها.

هي ليست كأمّها القديمة، تلك التي كانت تنتظر ابنتها عند الباب برائحة الغداء ودفء الحنان.

اليوم، لا تملك ترف الانتظار، فبين ضغط الدوام ومتاهات المسؤوليات، يظلّ قلبها معلّقًا بابنتها.

تسمع صوتها عبر الهاتف، تتابع تفاصيلها الصغيرة من بعيد، لكنها تشعر دائمًا أنّ شيئًا ما لا يصل، أنّ المسافة ليست في الكيلومترات، بل في الحنين.

تعود ابنتها من المدرسة إلى بيتٍ هادئٍ إلا من دفءٍ محفوظٍ في الطعام المُعدّ منذ الليلة السابقة.

تتناول وجبتها وحدها، بينما أمها في عملها، بين جداولٍ مزدحمةٍ وأفكارٍ مشغولةٍ بالبيت أكثر من العمل.

وحين تعود في المساء، تحمل تعبها كحقيبةٍ ثقيلةٍ على كتفها، لكنها لا تضعها قبل أن تجلس قرب طفلتها.

تتابع دروسها بعيونٍ نصف نائمة، تُخفي رغبتها في الراحة خلف ابتسامةٍ حنونةٍ صادقة.

إنها تعرف أنّ ابنتها تحتاجها، وتعرف أيضًا أنها تحارب لتبقى قادرة على العطاء.

هي لا تهرب من أمومتها، بل تُمارسها بطريقتها الخاصة — بطريقة امرأةٍ تؤمن أن الحنان ليس فقط في الحضور، بل في السعي الدائم نحو الأمان.

ومع ذلك، لا يكفّ ضميرها عن ملاحقتها.

تحاسب نفسها على وجبةٍ تناولتها ابنتها وحدها، أو مكالمةٍ قصيرةٍ لم تُشبع الحنين.

تخاف أن تكبر طفلتها وهي لا تعرف دفء التفاصيل التي عاشتها هي في طفولتها.

لكن الزمن تغيّر، والحنان أيضًا تغيّر شكله دون أن يفقد جوهره.

الأم العاملة اليوم ليست أقلّ حنانًا، بل أكثر وجعًا، لأنها تُحبّ مرتين:

مرّةً وهي حاضرة، ومرّةً وهي بعيدة.

في المسافة بين الحنان والتعب، تنبت أشكال جديدة من الأمومة. لم تعد الأمومة تقاس بعدد الساعات التي تمضيها الأم في البيت، بل بقدرتها على البقاء حاضرةً في الغياب، ومؤثرةً رغم المسافة.

لم تعد القسوة في نبرة الصوت، بل في انطفاء القلب — وهذا ما لم تعرفه يومًا.

فهي رغم كل ما تواجهه، ما زالت تختار القرب، تختار السؤال، تختار العودة في نهاية اليوم مهما أثقلها التعب.

وفي لحظة صفاءٍ نادرة، تُدرك أن السؤال الذي يُؤرقها ليس عن القسوة، بل عن الذنب النبيل الذي يولده الحبّ الحقيقي. ذلك الإحساس الذي لا يُفارقها، يشعل في داخلها ضوءًا صغيرًا يمنعها من الاستسلام، ويذكّرها أن الأمومة ليست مثالية، بل استمرارٌ في المحاولة رغم التعب. هي تعرف أنها ليست الأم الكاملة، لكنها تعرف أيضًا أنها تحبّ بعمقٍ لا يُقاس بالوقت، بل بالمعنى الذي تزرعه في قلب ابنتها كل يوم.

وفي آخر الليل، حين ينام الجميع، تجلس في صمتٍ يشبه صلاةً طويلة بلا كلمات.

تتأمل وجه طفلتها النائم وتفكر: ربما لم أمنحها كل ما أرادت، لكنني منحتها ما استطعت — من وقتٍ مكسورٍ بالعمل، ومن حنانٍ مُرهقٍ لا يعرف الراحة. تُدرك أن الأمومة ليست تكرارًا لنسخٍ قديمة، بل فنّ ابتكار الحنان في زمنٍ صعب.

أنّ الأمهات لا يُقَسَّمن بين عاملات وربّات بيوت، بل بين من يُحببن، ومن يتخلّين — وهي من الفئة الأولى، مهما قال التعب غير ذلك.

الأم العاملة ليست قاسية، بل واقعية.

ليست غائبة، بل حاضرة بوجهٍ آخر، حضورٍ لا يُقاس بالزمن، بل بالأثر.

قد تترك وردةً على الطاولة بدل انتظارٍ عند الباب، وترسل رسالةً قصيرةً بدل عناقٍ طويل، لكن في كل ذلك حبٌّ مكتومٌ بحجم العالم، يتنفس من بين الشقوق ويكبر بصمتٍ لا يحتاج إلى شهود.

ثم تُطفئ الضوء، وتستلقي بهدوءٍ على أمل أن يحمل الغد قليلًا من الرحمة، لكنها تعرف، في أعماقها، أنّها ستنهض من جديد بالصبر ذاته، بالقلق ذاته، وبالحبّ ذاته الذي لا يشيخ ولا يُقاس، لكنه وحده يُبقيها حيّة.

الطفل
المسؤولية
التربية
القيم
العمل
الأم
شارك الموضوع :

اضافةتعليق

    تمت الاضافة بنجاح

    التعليقات

    آخر الإضافات للكاتب (ة):

    الأرقام تتحدث... والأسرة تستغيث

    الأرقام تتحدث... والأسرة تستغيث

    السبت 05 ايلول 2026/
    بين الأبوة الصامتة وغياب الأبناء… من كسر من؟

    بين الأبوة الصامتة وغياب الأبناء… من كسر من؟

    الأحد 23 آب 2026/
    في ذكرى رحيل رسول الله… ماذا أبقينا من أثره في حياتنا؟

    في ذكرى رحيل رسول الله… ماذا أبقينا من أثره في حياتنا؟

    السبت 15 آب 2026/
    غريبُ الغرباء... وأنيسُ النفوس

    غريبُ الغرباء... وأنيسُ النفوس

    الخميس 13 آب 2026/
    بعد الأربعين تبدأ المواساة… إلى أمير المؤمنين في ذكرى رحيل النبي الأكرم

    بعد الأربعين تبدأ المواساة… إلى أمير المؤمنين في ذكرى رحيل النبي الأكرم

    الأثنين 10 آب 2026/
    في قلب الطف: أختٌ بين إمامٍ ولواء

    في قلب الطف: أختٌ بين إمامٍ ولواء

    الأربعاء 15 تموز 2026/

    آخر الاضافات

    جمعية المودة والازدهار للتنمية النسوية تواصل نشاطات نادي ريحانة للفتيات

    كيف يتحقق السلام الداخلي؟

    الذكاء الاصطناعي يرصد مؤشرات دقيقة داخل أورام الثدي للتنبؤ بتطور المرض

    هندسة الاختيار.. كيف تُوجَّه سلوكياتنا وقراراتنا اليومية دون أن نشعر؟

    ظاهرة المؤثرين: تحليل للدور الحقيقي والتأثير على المجتمع

    الكمأة.. ثروة طبيعية تجمع بين القيمة الغذائية والفخامة

    دمى تشبه أصحابها... حين تبقى الطفولة بين يديك

    الإدارة والقيادة الذاتية وأثرهما في حياة الفرد

    آخر القراءات

    مِحرابُ الشَّهادةِ وَيُتْمُ العَدالة: قراءةٌ في كَونِيَّةِ الرَّحيلِ العَلَويّ

    النشر : الثلاثاء 10 آذار 2026
    اخر قراءة : منذ 46 دقيقة

    الرؤية الاستراتيجية للتنمية الاجتماعية في "نهج البلاغة"

    النشر : الأربعاء 26 حزيران 2024
    اخر قراءة : منذ 46 دقيقة

    الاحتيال المالي يتفاقم.. هل تستطيع البنوك الصمود بمفردها؟

    النشر : الأحد 22 كانون الأول 2024
    اخر قراءة : منذ 46 دقيقة

    ظواهر.. الثقافة الحيوانية

    النشر : الثلاثاء 13 حزيران 2023
    اخر قراءة : منذ 46 دقيقة

    قوم عاد والحضارة المفقودة

    النشر : الأحد 02 حزيران 2024
    اخر قراءة : منذ 46 دقيقة

    طريقة الشحن وواق الشاشة.. تعرَّف على كيفية حماية هاتفك الذكي من التلف

    النشر : الثلاثاء 18 تموز 2017
    اخر قراءة : منذ 46 دقيقة

    الأكثر قراءة

    • اسبوع
    • شهر

    في رحاب اسم الله الهادي

    • 330 مشاهدات

    حِراسَةُ الحَواسّ وصَوْنُ الهَويَّة: قِراءَةٌ في وعيِ الانْفِتاح

    • 326 مشاهدات

    عقول في المصيدة: حين تُسرق الذات تحت لافتة المعرفة السطحية

    • 317 مشاهدات

    حين تتحول رياضة الأطفال من وسيلة للمتعة إلى مصدر للضغط والقلق

    • 314 مشاهدات

    طرق بسيطة لتخفيف حرقة المعدة في المنزل وتجنب تكرارها

    • 303 مشاهدات

    رحلة الحنين للماضي: حين تُعيدنا الخوارزميات إلى دفئ الأمس

    • 301 مشاهدات

    ميلادان… ومشروع واحد: حين يولد النور مرتين

    • 1136 مشاهدات

    حين يصبح التأخر تهمة

    • 1104 مشاهدات

    شهادة الإمام الحسن العسكري: فلسفة التضحية والمنهاج المكتمل لشباب الأمة

    • 1044 مشاهدات

    ستنضج فجأة وتتساءل: مَن هذا الذي لا يشبهك!

    • 987 مشاهدات

    فجر الصادق: حين يتكلم النور ويكتمل العقل

    • 750 مشاهدات

    ولادة مَنْ أضاءَ الكونَ نوراً: نبيّ الرحمةِ والإنسانية

    • 656 مشاهدات

    facebook

    Tweets
    صفحة للمرآة العربية تهتم بالفكر والثقافة والصحة والعلم

    الأبواب

    • اسلاميات
    • حقوق
    • علاقات زوجية
    • تطوير
    • ثقافة
    • اعلام
    • منوعات
    • صحة وعلوم
    • تربية
    • خواطر

    اهم المواضيع

    جمعية المودة والازدهار للتنمية النسوية تواصل نشاطات نادي ريحانة للفتيات
    • منذ 21 ساعة
    كيف يتحقق السلام الداخلي؟
    • منذ 21 ساعة
    الذكاء الاصطناعي يرصد مؤشرات دقيقة داخل أورام الثدي للتنبؤ بتطور المرض
    • منذ 21 ساعة
    هندسة الاختيار.. كيف تُوجَّه سلوكياتنا وقراراتنا اليومية دون أن نشعر؟
    • الأربعاء 16 ايلول 2026

    0

    المشاهدات

    0

    المواضيع

    اخر الاضافات
    راسلونا
    Copyrights © 1999 All Rights Reserved by annabaa @ 2026
    2026 @ بشرى حياة