• الرئيسية
  • كل المواضيع
  • الاتصال بنا
facebook twitter instagram telegram
بشرى حياة
☰
  • اسلاميات
  • حقوق
  • علاقات زوجية
  • تطوير
  • ثقافة
  • اعلام
  • منوعات
  • صحة وعلوم
  • تربية
  • خواطر

أمٌّ في منتصف العاصفة

زينب شاكر السماك / الأحد 23 تشرين الثاني 2025 / حقوق / 954
شارك الموضوع :

هي أمّ تعيش بين مطرقتين: عملٍ يستنزفها وبيتٍ يشتاقها، تحاول أن تقف في المنتصف دون أن تسقط

في كل مساء، حين يهدأ ضجيج العالم، تخلع الأم العاملة معطف العمل وتجلس أمام مرآتها، لا لتُصلح شعرها، بل لتتأمل وجهها الذي صار يحمل ملامح تعبٍ لا يراه أحد.

تُحادث نفسها بصوتٍ خافتٍ يتناوب بين التنهيدة والسؤال:

هل أنا أمٌّ قاسية؟

سؤال يتكرّر في أعماقها كما يتكرّر النبض، كأنه خُلق ليذكّرها بأنّ في داخلها قلبًا لم يهدأ يومًا، قلبًا يرفض أن يتصالح مع فكرة التقصير، مهما كانت الظروف.

ليست قسوتها قرارًا، بل قناع الحنان المرهق.

فهي أمّ تعيش بين مطرقتين: عملٍ يستنزفها وبيتٍ يشتاقها، تحاول أن تقف في المنتصف دون أن تسقط.

كثيرًا ما تسأل نفسها في نهاية كل يوم طويل: هل أنا صارمة أكثر مما ينبغي؟ هل فشلت في أن أكون الأم التي تمنّيتها لابنتي؟ تُحاكم ذاتها حين تضع رأسها على الوسادة، وكأنّها في محكمةٍ لا قاضٍ فيها إلا ضميرها.

هي ليست كأمّها القديمة، تلك التي كانت تنتظر ابنتها عند الباب برائحة الغداء ودفء الحنان.

اليوم، لا تملك ترف الانتظار، فبين ضغط الدوام ومتاهات المسؤوليات، يظلّ قلبها معلّقًا بابنتها.

تسمع صوتها عبر الهاتف، تتابع تفاصيلها الصغيرة من بعيد، لكنها تشعر دائمًا أنّ شيئًا ما لا يصل، أنّ المسافة ليست في الكيلومترات، بل في الحنين.

تعود ابنتها من المدرسة إلى بيتٍ هادئٍ إلا من دفءٍ محفوظٍ في الطعام المُعدّ منذ الليلة السابقة.

تتناول وجبتها وحدها، بينما أمها في عملها، بين جداولٍ مزدحمةٍ وأفكارٍ مشغولةٍ بالبيت أكثر من العمل.

وحين تعود في المساء، تحمل تعبها كحقيبةٍ ثقيلةٍ على كتفها، لكنها لا تضعها قبل أن تجلس قرب طفلتها.

تتابع دروسها بعيونٍ نصف نائمة، تُخفي رغبتها في الراحة خلف ابتسامةٍ حنونةٍ صادقة.

إنها تعرف أنّ ابنتها تحتاجها، وتعرف أيضًا أنها تحارب لتبقى قادرة على العطاء.

هي لا تهرب من أمومتها، بل تُمارسها بطريقتها الخاصة — بطريقة امرأةٍ تؤمن أن الحنان ليس فقط في الحضور، بل في السعي الدائم نحو الأمان.

ومع ذلك، لا يكفّ ضميرها عن ملاحقتها.

تحاسب نفسها على وجبةٍ تناولتها ابنتها وحدها، أو مكالمةٍ قصيرةٍ لم تُشبع الحنين.

تخاف أن تكبر طفلتها وهي لا تعرف دفء التفاصيل التي عاشتها هي في طفولتها.

لكن الزمن تغيّر، والحنان أيضًا تغيّر شكله دون أن يفقد جوهره.

الأم العاملة اليوم ليست أقلّ حنانًا، بل أكثر وجعًا، لأنها تُحبّ مرتين:

مرّةً وهي حاضرة، ومرّةً وهي بعيدة.

في المسافة بين الحنان والتعب، تنبت أشكال جديدة من الأمومة. لم تعد الأمومة تقاس بعدد الساعات التي تمضيها الأم في البيت، بل بقدرتها على البقاء حاضرةً في الغياب، ومؤثرةً رغم المسافة.

لم تعد القسوة في نبرة الصوت، بل في انطفاء القلب — وهذا ما لم تعرفه يومًا.

فهي رغم كل ما تواجهه، ما زالت تختار القرب، تختار السؤال، تختار العودة في نهاية اليوم مهما أثقلها التعب.

وفي لحظة صفاءٍ نادرة، تُدرك أن السؤال الذي يُؤرقها ليس عن القسوة، بل عن الذنب النبيل الذي يولده الحبّ الحقيقي. ذلك الإحساس الذي لا يُفارقها، يشعل في داخلها ضوءًا صغيرًا يمنعها من الاستسلام، ويذكّرها أن الأمومة ليست مثالية، بل استمرارٌ في المحاولة رغم التعب. هي تعرف أنها ليست الأم الكاملة، لكنها تعرف أيضًا أنها تحبّ بعمقٍ لا يُقاس بالوقت، بل بالمعنى الذي تزرعه في قلب ابنتها كل يوم.

وفي آخر الليل، حين ينام الجميع، تجلس في صمتٍ يشبه صلاةً طويلة بلا كلمات.

تتأمل وجه طفلتها النائم وتفكر: ربما لم أمنحها كل ما أرادت، لكنني منحتها ما استطعت — من وقتٍ مكسورٍ بالعمل، ومن حنانٍ مُرهقٍ لا يعرف الراحة. تُدرك أن الأمومة ليست تكرارًا لنسخٍ قديمة، بل فنّ ابتكار الحنان في زمنٍ صعب.

أنّ الأمهات لا يُقَسَّمن بين عاملات وربّات بيوت، بل بين من يُحببن، ومن يتخلّين — وهي من الفئة الأولى، مهما قال التعب غير ذلك.

الأم العاملة ليست قاسية، بل واقعية.

ليست غائبة، بل حاضرة بوجهٍ آخر، حضورٍ لا يُقاس بالزمن، بل بالأثر.

قد تترك وردةً على الطاولة بدل انتظارٍ عند الباب، وترسل رسالةً قصيرةً بدل عناقٍ طويل، لكن في كل ذلك حبٌّ مكتومٌ بحجم العالم، يتنفس من بين الشقوق ويكبر بصمتٍ لا يحتاج إلى شهود.

ثم تُطفئ الضوء، وتستلقي بهدوءٍ على أمل أن يحمل الغد قليلًا من الرحمة، لكنها تعرف، في أعماقها، أنّها ستنهض من جديد بالصبر ذاته، بالقلق ذاته، وبالحبّ ذاته الذي لا يشيخ ولا يُقاس، لكنه وحده يُبقيها حيّة.

الطفل
المسؤولية
التربية
القيم
العمل
الأم
شارك الموضوع :

اضافةتعليق

    تمت الاضافة بنجاح

    التعليقات

    آخر الإضافات للكاتب (ة):

    ما وراء الحرية.. حين يصبح الاختلاف تهمة!

    ما وراء الحرية.. حين يصبح الاختلاف تهمة!

    الأحد 18 تشرين الاول 2026/
    التخطّي... حين نتعلّم أن نترك ما لا نستطيع تغييره

    التخطّي... حين نتعلّم أن نترك ما لا نستطيع تغييره

    الأربعاء 07 تشرين الاول 2026/
    أول يوم مدرسة.. حين تبدأ الحكاية قبل أن يرنّ الجرس

    أول يوم مدرسة.. حين تبدأ الحكاية قبل أن يرنّ الجرس

    الثلاثاء 29 ايلول 2026/
    الأرقام تتحدث... والأسرة تستغيث

    الأرقام تتحدث... والأسرة تستغيث

    السبت 05 ايلول 2026/
    بين الأبوة الصامتة وغياب الأبناء… من كسر من؟

    بين الأبوة الصامتة وغياب الأبناء… من كسر من؟

    الأحد 23 آب 2026/
    في ذكرى رحيل رسول الله… ماذا أبقينا من أثره في حياتنا؟

    في ذكرى رحيل رسول الله… ماذا أبقينا من أثره في حياتنا؟

    السبت 15 آب 2026/

    آخر الاضافات

    الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ.. وَحْدَةُ الْعُنْوَانِ وَتَعَدُّدُ الْجَزَاءِ (٢)

    بين المصعد والسلالم… اختيار يومي يصنع فرقًا

    كيف نتعامل مع الكمالية؟

    بعد النجاة من سرطان الثدي.. نساء يحوّلن الألم إلى قصص نجاح وإلهام

    لماذا تهرب الزوجات من "الاختصار الذكوري" إلى أحضان الذكاء الاصطناعي؟

    الصاحب ساحب... حين تصنع الصداقة مصير الإنسان

    التعلّم النشط: أساليب تصنع المشاركة والإبداع

    هل تكشف ملامح الوجه عن نقص الحديد في الجسم؟

    آخر القراءات

    امضِ قدما نحو سلم النجاح

    النشر : السبت 08 نيسان 2017
    اخر قراءة : منذ 24 دقيقة

    الشخص العدواني: كيف يمكن أن نتعامل مع سلبية هذه الشخصية؟

    النشر : الثلاثاء 30 تشرين الثاني 2021
    اخر قراءة : منذ 24 دقيقة

    إملأ الفراغات التالية...

    النشر : الثلاثاء 02 نيسان 2019
    اخر قراءة : منذ 24 دقيقة

    ما هي كمية الخبز المسموح بتناولها يوميا؟

    النشر : الثلاثاء 12 ايلول 2023
    اخر قراءة : منذ 24 دقيقة

    نصائح لإدارة الوقت بشكل منظم وفعال

    النشر : السبت 21 آيار 2022
    اخر قراءة : منذ 24 دقيقة

    أهم النشاطات التي تزيد من قدرات طفلك العقلية

    النشر : الأحد 02 كانون الثاني 2022
    اخر قراءة : منذ 24 دقيقة

    الأكثر قراءة

    • اسبوع
    • شهر

    من يملك وقتك؟

    • 532 مشاهدات

    المرأة وصناعة الأثر.. الزهراء عليها السلام نموذجًا

    • 491 مشاهدات

    تورّم القدمين وانتفاخ الجسم.. متى يصبح احتباس السوائل مؤشراً للخطر؟

    • 333 مشاهدات

    السيدة الزهراء.. الشاهد الأول والضحية الأولى لأحداث السقيفة

    • 330 مشاهدات

    السيدة الزهراء والأحكام الإلهية… حين يكون الامتثال يقينًا بالحكمة

    • 329 مشاهدات

    السيدة الزهراء.. رائدة الثورة وشهيدة الولاية

    • 324 مشاهدات

    الفضاء الرقمي وسؤال الأثر: بين الانسياق العابر وتصنيع القيمة

    • 1573 مشاهدات

    في ذكرى ولادتها المباركة: السيدة زينب منارة الصبر ورسالة الوعي المعاصر

    • 1173 مشاهدات

    من ينقذ المسعف؟

    • 1027 مشاهدات

    الجرح الذي لا يبرأ: الأبعاد الفكرية والتأسيسية لشهادة الصديقة الكبرى وتوصيات للشباب

    • 801 مشاهدات

    في أكتوبر الوردي… الوعي خطوة نحو الحياة

    • 719 مشاهدات

    تحت شعار نقرأ لنرتقي.. جمعية المودة تقيم أمسية ثقافية بالذكرى العاشرة لتأسيس نادي أصدقاء الكتاب

    • 554 مشاهدات

    facebook

    Tweets
    صفحة للمرآة العربية تهتم بالفكر والثقافة والصحة والعلم

    الأبواب

    • اسلاميات
    • حقوق
    • علاقات زوجية
    • تطوير
    • ثقافة
    • اعلام
    • منوعات
    • صحة وعلوم
    • تربية
    • خواطر

    اهم المواضيع

    الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ.. وَحْدَةُ الْعُنْوَانِ وَتَعَدُّدُ الْجَزَاءِ (٢)
    • منذ 6 ساعة
    بين المصعد والسلالم… اختيار يومي يصنع فرقًا
    • منذ 6 ساعة
    كيف نتعامل مع الكمالية؟
    • منذ 6 ساعة
    بعد النجاة من سرطان الثدي.. نساء يحوّلن الألم إلى قصص نجاح وإلهام
    • منذ 6 ساعة

    0

    المشاهدات

    0

    المواضيع

    اخر الاضافات
    راسلونا
    Copyrights © 1999 All Rights Reserved by annabaa @ 2026
    2026 @ بشرى حياة