• الرئيسية
  • كل المواضيع
  • الاتصال بنا
facebook twitter instagram telegram
بشرى حياة
☰
  • اسلاميات
  • حقوق
  • علاقات زوجية
  • تطوير
  • ثقافة
  • اعلام
  • منوعات
  • صحة وعلوم
  • تربية
  • خواطر

رسالة من بين أنقاض الطفولة: حين تصبح العائلة حلمًا بعيدًا

زينب شاكر السماك / الأربعاء 12 تشرين الثاني 2025 / تربية / 774
شارك الموضوع :

الطفل الذي يُحرم من دفء الأسرة يظلّ طول عمره يبحث عن بيتٍ يسكنه القلب، لا العنوان

لم أكن أحلم بقصرٍ منيف ولا بحياة مترفة، كان كل ما أريده مجرد أسرةٍ صغيرةٍ أستظلّ بها من برد الوحدة، بيتٍ يملؤه الدفء، وحنان أمّ، وصوت أبٍ يحمل الأمان لا الصراخ. لكنّ القدر كان يسير بي في اتجاهٍ آخر تمامًا، حتى نسيتُ شكل الدفء، ونسيتُ كيف يكون الأمان.

كانت طفولتي أشبه بظلّ عابرٍ تحت سقف لا يضمّ إلا الجدران. أبي وأمي كانا دائمَي الخلاف، أصواتهما تملأ المكان توترًا، وقلبي الصغير كان يرتجف في كل مرة أسمع فيها كلمة "طلاق". كنتُ أشعر دائمًا أنني السبب في كل ما يحدث بينهما، كما لو أن وجودي كان ذنبًا يُعاد تذكيره كل يوم.

وفي ذلك اليوم المشؤوم، خرجت أمي من البيت ولم تعد. ما زلت أذكر نظراتي المرتجفة وهي تلاحقها إلى أن غابت عن الطريق الطويل وسط الغابة الموحشة. كنتُ أتصور أن الغياب مؤقت، وأنها ستعود غدًا، لكن الأيام مضت، وصوت خطواتها لم يعد. عندها فقط أدركت معنى أن تكون الطفولة وحيدةً في عالمٍ لا يرحم.

بكيت كثيرًا، صرخت حتى بحّ صوتي، وكرهت كل من كان حولي، ليس لأنهم أذنبوا، بل لأنهم بقوا بينما أمي رحلت. وعندما التقيتُها أخيرًا، ركضت إليها كطفلةٍ غرقت في بحرٍ مظلم، ترجّيتها أن تأخذني معها، توسّلت إليها بدموعي، لكنّها رفضت. لا أعرف إن كانت تخاف عليّ، أم كانت تراني ورقة ضغطٍ في حربها مع أبي.

ثم جاء القرار المدويّ من والدي: الطلاق. لم أكن أفهم ما يعنيه، لكني كنت أشعر أن العالم كله قد انهار. ومنذ ذلك اليوم، صار كل لقاءٍ بوالدتي مناسبةً لاستعادة الألم من جديد. كلّما بدأت أتأقلم، جاءت رياح اللقاء لتعيد المواجع وتوقظ الجراح القديمة.

حتى جاء يومٌ حاسم، كنتُ فيه في الخامسة عشرة من عمري، حين قررتُ أن أختار بنفسي. لم أرد أن أكون زائرةً في حياة أحد، لا في بيت أمي ولا بيت أبي. فقلتُ له يومها: "لن أذهب إلى أمي بعد الآن." كانت تلك أول مرة أقول فيها "لا" بصوتٍ واضح. لم أكن أدرك أنني حينها كنت أخلع عني جزءًا من الطفولة، وأدخل عالم الكبار محمّلةً بخساراتٍ كثيرة.

بحثت عن العائلة في أماكن أخرى، في وجوه الناس، في صدور الأصدقاء، في نظرةٍ صادقةٍ أو حضنٍ دافئ، لكني لم أجد. وعندما تزوّج والدي من امرأة جديدة، حاولتُ أن أجد في قلبها ما افتقدته من أمي. كانت امرأة طيبة، حنونة بطريقةٍ مختلفة، تحمل من المشاعر ما لم تحمله أمي، ومع ذلك لم أشعر بالأمان. كان هناك دائمًا فراغٌ داخليّ لا يملؤه أحد.

كبرت، ووعيت أكثر، وقلت لنفسي: "ربما سأصنع عائلتي بنفسي. سأبني بيتًا فيه الحب الذي افتقدته، والدفء الذي حُرمت منه." كنت أؤمن أن الزواج سيكون خلاصًا من ماضيي، وأن زوجي سيكون الوطن الذي أفتقده.

لكنّ الصدمة كانت أكبر من الحلم. لم أجد في زواجي ما كنت أبحث عنه، بل وجدت نفسي أجرّ زوجي إلى البيت جَرًّا، لأصنع أجواء الأسرة التي لم يعرفها هو أيضًا. كنت أحاول أن أزرع الأمان بيدي، لكنّ الأرض كانت قاحلة. كلما اقتربت خطوةً، ابتعد أكثر، حتى تحوّل البيت إلى مكانٍ باردٍ لا يسكنه سوى الصمت.

وهكذا، وجدت نفسي من جديد وحيدةً في طرقاتٍ شائكة، أبحث بين الأشواك عن عائلة، عن دفءٍ أضاعه النزاع بين والدين، وضاع معه توازنُ طفلةٍ كبرت وهي تحمل جراحها.

اليوم، عندما أنظر إلى المرآة، أرى في وجهي ملامح امرأةٍ متعبةٍ من البحث، لكنها لا تزال تؤمن بشيءٍ واحد: أن العائلة ليست دائمًا دمًا، بل شعورٌ يُزرع بالصدق والاحتواء.

رسالتي ليست بكاءً على الماضي، بل صرخة من فتاةٍ كانت إحدى ضحايا التشتت الأسري. أكتبها لأقول إن الطلاق لا يُنهي الخلاف فقط، بل يُنشئ وجعًا جديدًا في قلوب الأبناء، وجعًا لا تداويه السنوات.

أكتبها لأنني أدركت متأخرًا أن الأمان لا يُبنى بالجدران، بل بالمحبة التي تغيب حين يغيب التفاهم، وأن الطفل الذي يُحرم من دفء الأسرة يظلّ طول عمره يبحث عن بيتٍ يسكنه القلب، لا العنوان.

صحة نفسية
الطلاق
السلوك
الأسرة
الطفولة
شارك الموضوع :

اضافةتعليق

    تمت الاضافة بنجاح

    التعليقات

    آخر الإضافات للكاتب (ة):

    الأرقام تتحدث... والأسرة تستغيث

    الأرقام تتحدث... والأسرة تستغيث

    السبت 05 ايلول 2026/
    بين الأبوة الصامتة وغياب الأبناء… من كسر من؟

    بين الأبوة الصامتة وغياب الأبناء… من كسر من؟

    الأحد 23 آب 2026/
    في ذكرى رحيل رسول الله… ماذا أبقينا من أثره في حياتنا؟

    في ذكرى رحيل رسول الله… ماذا أبقينا من أثره في حياتنا؟

    السبت 15 آب 2026/
    غريبُ الغرباء... وأنيسُ النفوس

    غريبُ الغرباء... وأنيسُ النفوس

    الخميس 13 آب 2026/
    بعد الأربعين تبدأ المواساة… إلى أمير المؤمنين في ذكرى رحيل النبي الأكرم

    بعد الأربعين تبدأ المواساة… إلى أمير المؤمنين في ذكرى رحيل النبي الأكرم

    الأثنين 10 آب 2026/
    في قلب الطف: أختٌ بين إمامٍ ولواء

    في قلب الطف: أختٌ بين إمامٍ ولواء

    الأربعاء 15 تموز 2026/

    آخر الاضافات

    جمعية المودة والازدهار للتنمية النسوية تواصل نشاطات نادي ريحانة للفتيات

    كيف يتحقق السلام الداخلي؟

    الذكاء الاصطناعي يرصد مؤشرات دقيقة داخل أورام الثدي للتنبؤ بتطور المرض

    هندسة الاختيار.. كيف تُوجَّه سلوكياتنا وقراراتنا اليومية دون أن نشعر؟

    ظاهرة المؤثرين: تحليل للدور الحقيقي والتأثير على المجتمع

    الكمأة.. ثروة طبيعية تجمع بين القيمة الغذائية والفخامة

    دمى تشبه أصحابها... حين تبقى الطفولة بين يديك

    الإدارة والقيادة الذاتية وأثرهما في حياة الفرد

    آخر القراءات

    مِحرابُ الشَّهادةِ وَيُتْمُ العَدالة: قراءةٌ في كَونِيَّةِ الرَّحيلِ العَلَويّ

    النشر : الثلاثاء 10 آذار 2026
    اخر قراءة : منذ 44 دقيقة

    الرؤية الاستراتيجية للتنمية الاجتماعية في "نهج البلاغة"

    النشر : الأربعاء 26 حزيران 2024
    اخر قراءة : منذ 44 دقيقة

    الاحتيال المالي يتفاقم.. هل تستطيع البنوك الصمود بمفردها؟

    النشر : الأحد 22 كانون الأول 2024
    اخر قراءة : منذ 44 دقيقة

    ظواهر.. الثقافة الحيوانية

    النشر : الثلاثاء 13 حزيران 2023
    اخر قراءة : منذ 44 دقيقة

    قوم عاد والحضارة المفقودة

    النشر : الأحد 02 حزيران 2024
    اخر قراءة : منذ 44 دقيقة

    طريقة الشحن وواق الشاشة.. تعرَّف على كيفية حماية هاتفك الذكي من التلف

    النشر : الثلاثاء 18 تموز 2017
    اخر قراءة : منذ 44 دقيقة

    الأكثر قراءة

    • اسبوع
    • شهر

    في رحاب اسم الله الهادي

    • 330 مشاهدات

    حِراسَةُ الحَواسّ وصَوْنُ الهَويَّة: قِراءَةٌ في وعيِ الانْفِتاح

    • 326 مشاهدات

    عقول في المصيدة: حين تُسرق الذات تحت لافتة المعرفة السطحية

    • 317 مشاهدات

    حين تتحول رياضة الأطفال من وسيلة للمتعة إلى مصدر للضغط والقلق

    • 314 مشاهدات

    طرق بسيطة لتخفيف حرقة المعدة في المنزل وتجنب تكرارها

    • 303 مشاهدات

    رحلة الحنين للماضي: حين تُعيدنا الخوارزميات إلى دفئ الأمس

    • 301 مشاهدات

    ميلادان… ومشروع واحد: حين يولد النور مرتين

    • 1136 مشاهدات

    حين يصبح التأخر تهمة

    • 1104 مشاهدات

    شهادة الإمام الحسن العسكري: فلسفة التضحية والمنهاج المكتمل لشباب الأمة

    • 1044 مشاهدات

    ستنضج فجأة وتتساءل: مَن هذا الذي لا يشبهك!

    • 987 مشاهدات

    فجر الصادق: حين يتكلم النور ويكتمل العقل

    • 750 مشاهدات

    ولادة مَنْ أضاءَ الكونَ نوراً: نبيّ الرحمةِ والإنسانية

    • 656 مشاهدات

    facebook

    Tweets
    صفحة للمرآة العربية تهتم بالفكر والثقافة والصحة والعلم

    الأبواب

    • اسلاميات
    • حقوق
    • علاقات زوجية
    • تطوير
    • ثقافة
    • اعلام
    • منوعات
    • صحة وعلوم
    • تربية
    • خواطر

    اهم المواضيع

    جمعية المودة والازدهار للتنمية النسوية تواصل نشاطات نادي ريحانة للفتيات
    • منذ 21 ساعة
    كيف يتحقق السلام الداخلي؟
    • منذ 21 ساعة
    الذكاء الاصطناعي يرصد مؤشرات دقيقة داخل أورام الثدي للتنبؤ بتطور المرض
    • منذ 21 ساعة
    هندسة الاختيار.. كيف تُوجَّه سلوكياتنا وقراراتنا اليومية دون أن نشعر؟
    • الأربعاء 16 ايلول 2026

    0

    المشاهدات

    0

    المواضيع

    اخر الاضافات
    راسلونا
    Copyrights © 1999 All Rights Reserved by annabaa @ 2026
    2026 @ بشرى حياة