• الرئيسية
  • كل المواضيع
  • الاتصال بنا
facebook twitter instagram telegram
بشرى حياة
☰
  • اسلاميات
  • حقوق
  • علاقات زوجية
  • تطوير
  • ثقافة
  • اعلام
  • منوعات
  • صحة وعلوم
  • تربية
  • خواطر

رسالة من بين أنقاض الطفولة: حين تصبح العائلة حلمًا بعيدًا

زينب شاكر السماك / الأربعاء 12 تشرين الثاني 2025 / تربية / 879
شارك الموضوع :

الطفل الذي يُحرم من دفء الأسرة يظلّ طول عمره يبحث عن بيتٍ يسكنه القلب، لا العنوان

لم أكن أحلم بقصرٍ منيف ولا بحياة مترفة، كان كل ما أريده مجرد أسرةٍ صغيرةٍ أستظلّ بها من برد الوحدة، بيتٍ يملؤه الدفء، وحنان أمّ، وصوت أبٍ يحمل الأمان لا الصراخ. لكنّ القدر كان يسير بي في اتجاهٍ آخر تمامًا، حتى نسيتُ شكل الدفء، ونسيتُ كيف يكون الأمان.

كانت طفولتي أشبه بظلّ عابرٍ تحت سقف لا يضمّ إلا الجدران. أبي وأمي كانا دائمَي الخلاف، أصواتهما تملأ المكان توترًا، وقلبي الصغير كان يرتجف في كل مرة أسمع فيها كلمة "طلاق". كنتُ أشعر دائمًا أنني السبب في كل ما يحدث بينهما، كما لو أن وجودي كان ذنبًا يُعاد تذكيره كل يوم.

وفي ذلك اليوم المشؤوم، خرجت أمي من البيت ولم تعد. ما زلت أذكر نظراتي المرتجفة وهي تلاحقها إلى أن غابت عن الطريق الطويل وسط الغابة الموحشة. كنتُ أتصور أن الغياب مؤقت، وأنها ستعود غدًا، لكن الأيام مضت، وصوت خطواتها لم يعد. عندها فقط أدركت معنى أن تكون الطفولة وحيدةً في عالمٍ لا يرحم.

بكيت كثيرًا، صرخت حتى بحّ صوتي، وكرهت كل من كان حولي، ليس لأنهم أذنبوا، بل لأنهم بقوا بينما أمي رحلت. وعندما التقيتُها أخيرًا، ركضت إليها كطفلةٍ غرقت في بحرٍ مظلم، ترجّيتها أن تأخذني معها، توسّلت إليها بدموعي، لكنّها رفضت. لا أعرف إن كانت تخاف عليّ، أم كانت تراني ورقة ضغطٍ في حربها مع أبي.

ثم جاء القرار المدويّ من والدي: الطلاق. لم أكن أفهم ما يعنيه، لكني كنت أشعر أن العالم كله قد انهار. ومنذ ذلك اليوم، صار كل لقاءٍ بوالدتي مناسبةً لاستعادة الألم من جديد. كلّما بدأت أتأقلم، جاءت رياح اللقاء لتعيد المواجع وتوقظ الجراح القديمة.

حتى جاء يومٌ حاسم، كنتُ فيه في الخامسة عشرة من عمري، حين قررتُ أن أختار بنفسي. لم أرد أن أكون زائرةً في حياة أحد، لا في بيت أمي ولا بيت أبي. فقلتُ له يومها: "لن أذهب إلى أمي بعد الآن." كانت تلك أول مرة أقول فيها "لا" بصوتٍ واضح. لم أكن أدرك أنني حينها كنت أخلع عني جزءًا من الطفولة، وأدخل عالم الكبار محمّلةً بخساراتٍ كثيرة.

بحثت عن العائلة في أماكن أخرى، في وجوه الناس، في صدور الأصدقاء، في نظرةٍ صادقةٍ أو حضنٍ دافئ، لكني لم أجد. وعندما تزوّج والدي من امرأة جديدة، حاولتُ أن أجد في قلبها ما افتقدته من أمي. كانت امرأة طيبة، حنونة بطريقةٍ مختلفة، تحمل من المشاعر ما لم تحمله أمي، ومع ذلك لم أشعر بالأمان. كان هناك دائمًا فراغٌ داخليّ لا يملؤه أحد.

كبرت، ووعيت أكثر، وقلت لنفسي: "ربما سأصنع عائلتي بنفسي. سأبني بيتًا فيه الحب الذي افتقدته، والدفء الذي حُرمت منه." كنت أؤمن أن الزواج سيكون خلاصًا من ماضيي، وأن زوجي سيكون الوطن الذي أفتقده.

لكنّ الصدمة كانت أكبر من الحلم. لم أجد في زواجي ما كنت أبحث عنه، بل وجدت نفسي أجرّ زوجي إلى البيت جَرًّا، لأصنع أجواء الأسرة التي لم يعرفها هو أيضًا. كنت أحاول أن أزرع الأمان بيدي، لكنّ الأرض كانت قاحلة. كلما اقتربت خطوةً، ابتعد أكثر، حتى تحوّل البيت إلى مكانٍ باردٍ لا يسكنه سوى الصمت.

وهكذا، وجدت نفسي من جديد وحيدةً في طرقاتٍ شائكة، أبحث بين الأشواك عن عائلة، عن دفءٍ أضاعه النزاع بين والدين، وضاع معه توازنُ طفلةٍ كبرت وهي تحمل جراحها.

اليوم، عندما أنظر إلى المرآة، أرى في وجهي ملامح امرأةٍ متعبةٍ من البحث، لكنها لا تزال تؤمن بشيءٍ واحد: أن العائلة ليست دائمًا دمًا، بل شعورٌ يُزرع بالصدق والاحتواء.

رسالتي ليست بكاءً على الماضي، بل صرخة من فتاةٍ كانت إحدى ضحايا التشتت الأسري. أكتبها لأقول إن الطلاق لا يُنهي الخلاف فقط، بل يُنشئ وجعًا جديدًا في قلوب الأبناء، وجعًا لا تداويه السنوات.

أكتبها لأنني أدركت متأخرًا أن الأمان لا يُبنى بالجدران، بل بالمحبة التي تغيب حين يغيب التفاهم، وأن الطفل الذي يُحرم من دفء الأسرة يظلّ طول عمره يبحث عن بيتٍ يسكنه القلب، لا العنوان.

صحة نفسية
الطلاق
السلوك
الأسرة
الطفولة
شارك الموضوع :

اضافةتعليق

    تمت الاضافة بنجاح

    التعليقات

    آخر الإضافات للكاتب (ة):

    ما وراء الحرية.. حين يصبح الاختلاف تهمة!

    ما وراء الحرية.. حين يصبح الاختلاف تهمة!

    الأحد 18 تشرين الاول 2026/
    التخطّي... حين نتعلّم أن نترك ما لا نستطيع تغييره

    التخطّي... حين نتعلّم أن نترك ما لا نستطيع تغييره

    الأربعاء 07 تشرين الاول 2026/
    أول يوم مدرسة.. حين تبدأ الحكاية قبل أن يرنّ الجرس

    أول يوم مدرسة.. حين تبدأ الحكاية قبل أن يرنّ الجرس

    الثلاثاء 29 ايلول 2026/
    الأرقام تتحدث... والأسرة تستغيث

    الأرقام تتحدث... والأسرة تستغيث

    السبت 05 ايلول 2026/
    بين الأبوة الصامتة وغياب الأبناء… من كسر من؟

    بين الأبوة الصامتة وغياب الأبناء… من كسر من؟

    الأحد 23 آب 2026/
    في ذكرى رحيل رسول الله… ماذا أبقينا من أثره في حياتنا؟

    في ذكرى رحيل رسول الله… ماذا أبقينا من أثره في حياتنا؟

    السبت 15 آب 2026/

    آخر الاضافات

    الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ.. وَحْدَةُ الْعُنْوَانِ وَتَعَدُّدُ الْجَزَاءِ (٢)

    بين المصعد والسلالم… اختيار يومي يصنع فرقًا

    كيف نتعامل مع الكمالية؟

    بعد النجاة من سرطان الثدي.. نساء يحوّلن الألم إلى قصص نجاح وإلهام

    لماذا تهرب الزوجات من "الاختصار الذكوري" إلى أحضان الذكاء الاصطناعي؟

    الصاحب ساحب... حين تصنع الصداقة مصير الإنسان

    التعلّم النشط: أساليب تصنع المشاركة والإبداع

    هل تكشف ملامح الوجه عن نقص الحديد في الجسم؟

    آخر القراءات

    امضِ قدما نحو سلم النجاح

    النشر : السبت 08 نيسان 2017
    اخر قراءة : منذ 43 دقيقة

    الشخص العدواني: كيف يمكن أن نتعامل مع سلبية هذه الشخصية؟

    النشر : الثلاثاء 30 تشرين الثاني 2021
    اخر قراءة : منذ 43 دقيقة

    إملأ الفراغات التالية...

    النشر : الثلاثاء 02 نيسان 2019
    اخر قراءة : منذ 43 دقيقة

    ما هي كمية الخبز المسموح بتناولها يوميا؟

    النشر : الثلاثاء 12 ايلول 2023
    اخر قراءة : منذ 43 دقيقة

    نصائح لإدارة الوقت بشكل منظم وفعال

    النشر : السبت 21 آيار 2022
    اخر قراءة : منذ 43 دقيقة

    أهم النشاطات التي تزيد من قدرات طفلك العقلية

    النشر : الأحد 02 كانون الثاني 2022
    اخر قراءة : منذ 44 دقيقة

    الأكثر قراءة

    • اسبوع
    • شهر

    من يملك وقتك؟

    • 532 مشاهدات

    المرأة وصناعة الأثر.. الزهراء عليها السلام نموذجًا

    • 492 مشاهدات

    تورّم القدمين وانتفاخ الجسم.. متى يصبح احتباس السوائل مؤشراً للخطر؟

    • 333 مشاهدات

    السيدة الزهراء.. الشاهد الأول والضحية الأولى لأحداث السقيفة

    • 330 مشاهدات

    السيدة الزهراء والأحكام الإلهية… حين يكون الامتثال يقينًا بالحكمة

    • 329 مشاهدات

    السيدة الزهراء.. رائدة الثورة وشهيدة الولاية

    • 324 مشاهدات

    الفضاء الرقمي وسؤال الأثر: بين الانسياق العابر وتصنيع القيمة

    • 1573 مشاهدات

    في ذكرى ولادتها المباركة: السيدة زينب منارة الصبر ورسالة الوعي المعاصر

    • 1173 مشاهدات

    من ينقذ المسعف؟

    • 1027 مشاهدات

    الجرح الذي لا يبرأ: الأبعاد الفكرية والتأسيسية لشهادة الصديقة الكبرى وتوصيات للشباب

    • 801 مشاهدات

    في أكتوبر الوردي… الوعي خطوة نحو الحياة

    • 719 مشاهدات

    تحت شعار نقرأ لنرتقي.. جمعية المودة تقيم أمسية ثقافية بالذكرى العاشرة لتأسيس نادي أصدقاء الكتاب

    • 554 مشاهدات

    facebook

    Tweets
    صفحة للمرآة العربية تهتم بالفكر والثقافة والصحة والعلم

    الأبواب

    • اسلاميات
    • حقوق
    • علاقات زوجية
    • تطوير
    • ثقافة
    • اعلام
    • منوعات
    • صحة وعلوم
    • تربية
    • خواطر

    اهم المواضيع

    الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ.. وَحْدَةُ الْعُنْوَانِ وَتَعَدُّدُ الْجَزَاءِ (٢)
    • منذ 6 ساعة
    بين المصعد والسلالم… اختيار يومي يصنع فرقًا
    • منذ 6 ساعة
    كيف نتعامل مع الكمالية؟
    • منذ 6 ساعة
    بعد النجاة من سرطان الثدي.. نساء يحوّلن الألم إلى قصص نجاح وإلهام
    • منذ 6 ساعة

    0

    المشاهدات

    0

    المواضيع

    اخر الاضافات
    راسلونا
    Copyrights © 1999 All Rights Reserved by annabaa @ 2026
    2026 @ بشرى حياة