في الخامس والعشرين من ذي القعدة، يستحضر المؤمنون مناسبةً ارتبطت في الوجدان الديني ببداية استقرار الحياة على الأرض؛ اليوم الذي تُروى فيه قصة دحو الأرض، حين انحسر الماء وانبسطت اليابسة، فتهيأت الأرض لتكون موطنًا صالحًا للحياة والسعي والعمران. وتذهب الروايات الإسلامية إلى أن هذا الامتداد بدأ من موضع الكعبة المشرفة، بوصفها أول بقعة بُسطت منها الأرض، لتبقى الكعبة رمزًا للمركز الذي تتجه إليه القلوب قبل الوجوه.
ولا يُفهم “الدحو” هنا على أنه حدث كوني مجرد، بل باعتباره معنى يرتبط بالتهيئة والرحمة والنظام. فالأرض لم تُترك فوضى، بل جُعلت مستقرة قابلة للحياة، وفي ذلك إشارة إلى عناية الله بالإنسان منذ اللحظة الأولى لوجوده على هذه الأرض. ومن اللافت أن الكعبة، التي ارتبطت لاحقًا بمعنى الهداية والقبلة والاجتماع الروحي، تُذكر أيضًا بوصفها نقطة البداية التي انبسطت منها الأرض، وكأن الاستقرار المادي والمعنى الروحي التقيا في موضعٍ واحد.
ويحمل لفظ “الدحو” معنى البسط والتمهيد، وهي دلالة تتجاوز صورة اليابسة الممتدة إلى معنى أعمق يمسّ النفس البشرية نفسها. فالإنسان، وسط ما يعيشه من قلقٍ وتشتت وضغط الحياة اليومية، يحتاج هو الآخر إلى شيءٍ من “الدحو” الداخلي؛ إلى إعادة ترتيب روحه، وإزالة ما تراكم فيها من إرهاقٍ وقسوة، وفسح مساحة أوسع للسكينة والصفاء.
ومن هنا يتحول يوم دحو الأرض من ذكرى تاريخية أو كونية إلى مناسبة للتأمل والمراجعة الهادئة. فكما بدأت الأرض من نقطةٍ صغيرة ثم اتسعت حتى أصبحت صالحة للحياة، تبدأ الطمأنينة داخل الإنسان غالبًا من لحظة صدقٍ بسيطة، أو دعاءٍ خافت، أو مراجعة صامتة للنفس، قبل أن تكبر تدريجيًا وتمنحه شعورًا أعمق بالاتزان.
ولهذا ارتبط هذا اليوم في التراث الديني بأعمالٍ تعبدية تحمل معنى التهيئة والتطهير معًا، من أبرزها الصيام، لما فيه من تهذيب للنفس وتخفيفٍ لانشغال الروح بثقل الحياة، إضافة إلى الغُسل والدعاء والصلاة. ومن الأدعية المأثورة في هذا اليوم: “اللهم داحي الكعبة، وفالق الحبّة…”، وهو دعاء يستحضر معنى الخلق والتدبير والرحمة. كما تحظى زيارة الإمام علي بن موسى الرضا بمكانة خاصة لدى أتباع مدرسة أهل البيت، لما تمثله الزيارة من استحضارٍ للسكينة والارتباط الروحي.
إن دحو الأرض ليس مجرد حديث عن بداية اليابسة، بل تذكيرٌ بأن الاستقرار الحقيقي يبدأ من الداخل. وكما كانت الكعبة موضع البداية في الروايات المرتبطة بدحو الأرض، يبقى الإنسان محتاجًا إلى مركزٍ روحي يعود إليه كلما أثقلته الحياة؛ موضعٍ يعيد إليه الطمأنينة، ويذكّره بأن السكينة ليست بعيدة، بل تبدأ من قلبٍ يعرف كيف يتجه إلى الله وسط ضجيج العالم.








اضافةتعليق
التعليقات