يوجد أربع تعريفات لبيان معنى العدل، التعريف الأوّل هو التوازن بمعنى أنه إذا نظرنا إلى مجموعة مُعيّنة تتألف من أجزاء وأبعاد مختلفة، فلا بد ليكون لهذه المجموعة هدف خاص من الأخذ بالاعتبار الظروف والشروط الخاصة من حيث المقام اللازم لكل جزء وكيفية ارتباط بعض الأجزاء ببعضها الآخر وفي هذه الحالة فقط يمكن لتلك المجموعة أن تبقى وتستمرّ وتُعطي ثمارها الجيدة وتؤدي دورها المطلوب.
وأما التعريف الثاني فهو المساواة وعدم التمييز، وقد علّق مطهري على هذا المعنى بقوله: «يُقال أحيانًا: إنّ فلانًا عادل ويُقصد بذلك أنه لا يُميز بين الأفراد أبدًا. وبناءً على هذا، فإنّ العدل يعني المساواة... لكن هذا التعريف بحاجة إلى توضيح، فإذا كان المقصود هو أن العدالة تستوجب عدم مراعاة أي استحقاق والنظر إلى كلّ شيء وكل فرد بمنظار واحد، فإنّ هذه العدالة في الحقيقة هي عين الظلم.
أما إذا كان المقصود هو أن العدالة تعني مراعاة المساواة في إطار الاستحقاقات المتساوية، فهذا معنى صحيح لا شك فيه، فالعدل يستوجب تطبيق مثل هذه المساواة؛ بل إن هذه المساواة هي من لوازم العدل، لكن في هذه الحالة يعود هذا المعنى إلى المعنى الثالث الذي سنذكره.
وبناء على ذلك، فإن تصوّر العدل بمعنى المساواة هو تصوّر خاطئ ومعنى يخالف الحقيقة من وجهة نظر الأستاذ مطهري، فهو يرى أنّ المساواة فى معنى العدل لا بد من أن يصاحبها الاستحقاق واللياقة؛ ولهذا فهو يعتبر التعريف الثالث للعدل هو الأصح.
وفي التعريف الثالث، فإن معنى العدل هو مُراعاة حقوق الأفراد وإعطاء الحق لذي الحق، ومعنى ذلك أن الأفراد يمتلكون حقوقا مختلفة بالنظر إلى الفروق الموجودة في كل منهم.
ويعتقد الأستاذ مطهري أن معنى العدل هذا هو المعنى الحقيقي للعدالة الاجتماعية الإنسانية وأنّه من لوازم القانون الإنساني، ويرى أن مثل هذه العدالة تستند إلى أمرين اثنين: أولهما الحقوق والأولويات، ومعنى ذلك هو أن لأفراد البشر حقوقا وأولويات إزاء كل منهم وبمقايسة بعضهم مع بعضهم الآخر.
على سبيل المثال، فإن من ينتج منتجا بعمله وكده فإنّه يحصل على نوع من الأولوية تجاه ذلك المنتج، أما مصدر تلك الأولوية فهو عمله ونشاطه. والطفل الذي يولد من أمه فإن له حقا وأولوية في لبن أمه، ومصدر تلك الأولوية هو نظام الخلق الهادف الذي أوجد ذلك اللبن لهذا الطفل وهيأه له.
والأمر الآخر هو الخصوصية الذاتية للبشر، حيث خُلقوا لكي يستخدموا بالضرورة نوعًا من الأفكار التي نسميها الأفكار الاعتبارية وبالاستعانة بتلك الأفكار باعتبارها آلة الفعل، فإن البشر يبلغون مقاصدهم الطبيعية. أما تلك الأفكار فهي أفكار إنشائية يتم تحديدها بالواجبات، ومن ذلك وجوب مُراعاة الحقوق والأولويات لكي يتمكن أفراد المجتمع من بلوغ السعادة بشكل أفضل.
أما التعريف الرابع الذي ذكره الأستاذ مطهري للعدل فيتعلق بباب الخلق؛ أي مراعاة الاستحقاقات في إفاضة الوجود وعدم الامتناع عن تلك الإفاضة والرحمة لكلّ ما له إمكانية الوجود أو كمال الوجود؛ وهذا يعني أن الله (تعالى) الذي هو الكمال والخير المطلق والفياض المطلق على كل موجود يُعطي من الوجود وكمال الوجود كل ما هو ممكن ولا يمتنع عن شيء من ذلك.
وفي إطار هذه النظرة ، فإنّ الله (سبحانه) وبالاستناد إلى علمه المطلق قد خلق كلّ موجود وفق أفضل مراحله الاستحقاقية وأكملها، وبالاستناد إلى علمه أيضًا فقد عيّن حقوقًا لذلك الموجود لإيصاله إلى أعلى درجات كماله .
وبناءً على التعاريف الأربعة المذكورة، يتضح لنا أن معنى العدل لا يقتصر على المساواة؛ بل ويعني أيضًا المساواة التي تتناسب مع الوجود.








اضافةتعليق
التعليقات