في عمق التاريخ ثمة لحظات لا تُقاس بالثواني، بل بالفيض الذي تركته في أرواحنا، فلم يكن زواج علي بن أبي طالب وفاطمة الزهراء مجرد اقتران بين رجل وامرأة، بل كان "هندسة إلهية" لجمع شتات النور في مشكاة واحدة، هو لقاء بين "البحرين" اللذين ذكرهما الخالق، التقى فيه بحر العلم والبطولة ببحر النبوة والطهر، فبينهما برزخ من المودة لا يبغيان.
فحين دخل علي إلى حضرة النبي (صلى الله عليه وآله) وفي صدره كلمات تزاحم بعضها، وهو الذي لم يَهب في خيبر، ولم يتردد في خندق، وجد نفسه أسير الحياء أمام المصطفى، سكت فكان سكوته أبلغ من كل قصائد الغزل، نطق الرسول الكريم: "يا علي، ما جاء بك؟ ألك حاجة؟".
بكلماتٍ خرجت من رحم الصدق، طلب "بضعة النبي"، لم يكن يملك ذهباً ولا قصوراً، كان يملك "درعاً" حطم عليها كبرياء المشركين، فباعها ليشتري بها مودة الله في فاطمة، فلم يكن المهر دراهم معدودة بل كان رمزاً فالدرع إشارة إلى أن هذا البيت يُبنى على الحماية والتضحية، فلم يكن هذا الزهد فقراً، بل كان "ترفاً روحياً" أراد الله أن يخبرنا أن البيوت العظيمة لا تُبنى من الرخام، بل من الطمأنينة التي تسكن في عيني فاطمة، والسكينة التي يزرعها علي في قلبها.
لغة الأرواح: كيف عاش النوران؟
لم يكن علي يرى في فاطمة ربة بيت فحسب، بل كان يراها بقية النبوة فيقول عنها:"والله ما أغضبتُها ولا أكرهتُها على أمرٍ حتى قبضها الله، ولا أغضبتني ولا عصت لي أمراً، ولقد كنتُ أنظر إليها فتنكشف عني الهموم والأحزان" وهذه هي الفلسفة العاطفية لزواج النورين:
- الاحتواء: كانت فاطمة تضم جراح علي بعد المعارك، وكان علي يضم تعب فاطمة بعد طحن الرحى.
- التكافؤ: لولا علي لما كان لفاطمة كفء، ولولا فاطمة لظل علي وحيداً في سموه.
- الثمرة: من هذا الامتزاج، وُلد الحسن والحسين، ليشرق من هذا البيت "نورٌ على نور".
ولو تخيلنا تلك الليلة، حيث النبي (صلى الله عليه وآله) يضع يد فاطمة في يد علي، ويرش عليهما من ماء الوضوء داعياً: "اللهم بارك فيهما، وبارك عليهما، وبارك لهما في نسلهما"، في ذلك البيت الصغير المتواضع، كانت الملائكة تزدحم لتسمع ترتيل علي وتسبيح فاطمة، لم يكن هناك صراخ، لم تكن هناك طلبات مادية ترهق الروح، كان هناك فقط "خبزُ الشعير" الممزوج بالحب، و"ماءُ القناعة" المقطر من الجنة.
فلم يكن ذلك البيتُ المتواضع القائم على حاشية المسجد مجرد جدران من طين، بل كان محراباً كونياً، فيه يتنزل الوحي ليجد علياً غارقاً في صلاته، وفاطمة تدير رحى الصبر بيمينٍ أثقلها التعب، بينما قلبها يرفرف في ملكوت التسبيح، فإن درع علي التي كانت مهراً، لم تكن مجرد قطعة حديد تحمي الصدر في الوغى، بل كانت إعلاناً سماوياً بأن فاطمة هي "سرُّه" المكنون الذي سيتدرع به أمام نوائب الدهر، وأن علياً هو "حصنها" الذي لا يُرام.
ففي ذلك البيت كانت المعادلة الروحية تكتمل بعصمة الصمت فحين كان علي ينظر إلى وجه فاطمة، لم يكن يرى زوجة فحسب، بل كان يقرأ في ملامحها سورة الكوثر مجسدة، فيصمت إجلالاً للنبوة الكامنة في عينيها، وتلوح في أفقهم ترانيم المودة فلم تكن علاقتهم قائمة على الحقوق والواجبات بمفهومها الجاف، بل كانت قائمة على الذوبان فكلما استبد الظمأ بقلب علي من هجير الدنيا، وجد في حنان فاطمة غيمة ممطرة، وكلما شعرت فاطمة بثقل الأمانة، استندت إلى جبلٍ اسمه علي.
ببساطة لقد كان هذا الزواج هو النقطة التي امتزج بها شرفُ الحسب بعظمة النفس، ليتجلى لنا أن البيوت التي تُبنى لله، لا تهدمها رياح الفقر، ولا تفت في عضدها قسوة الأيام، إنه الحب الذي لا ينتهي بالعشرة، بل يبتدئ بها ليمتد خيطاً نورانياً يصل الأرض بسدرة المنتهى.
فزواج النورين ليس قصة تاريخية نرويها في المحافل، بل هو رواية الحب الراقي، هو تذكير بأن الحب الحقيقي يبدأ بـ "الله"، وينمو بـ "الاحترام"، وينتهي بـ "الخلود"، ولقد أثبت علي وفاطمة أن "البيت المعمور" هو الذي يُبنى بذكريات السجود، ودموع المناجاة، وابتسامة الرضا رغم قسوة الظروف، فسلامٌ على النورين حين التقيا، وسلامٌ عليهما حين صارا للأمة قبس هداية لا ينطفئ.








اضافةتعليق
التعليقات