قد تكون الكلمات التي يسمعها الطفل بعد انتهاء المباراة أكثر تأثيرًا في علاقته بالرياضة من نتيجة المباراة نفسها، إذ يحذر مختصون من أن الانتقادات المتكررة والضغوط الأبوية قد تدفع الأطفال إلى فقدان شغفهم بالأنشطة الرياضية، وربما التخلي عنها نهائيًا.
تُعد رحلة العودة إلى المنزل بعد التدريب أو المباراة من اللحظات الحساسة في حياة الرياضيين الصغار، خصوصًا عندما يخفق الطفل في تحقيق النتيجة التي كان ينتظرها. ففي الوقت الذي يحتاج فيه إلى الدعم والتشجيع، قد يجد نفسه أمام سلسلة من الملاحظات والانتقادات التي تزيد شعوره بالإحباط، وتحول تجربته الرياضية إلى مصدر للتوتر بدلًا من المتعة.
وبحسب تقرير نشرته شبكة «CNN»، نقلًا عن الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال، فإن نحو 70% من الرياضيين الصغار يتركون الرياضات المنظمة بحلول سن الثالثة عشرة، وهو ما يسلط الضوء على أهمية فهم العوامل التي تؤثر في استمرار الأطفال بممارسة الرياضة.
عندما يتحول التشجيع إلى ضغط نفسي
غالبًا ما يسعى الآباء والأمهات إلى مساعدة أبنائهم على تطوير مهاراتهم الرياضية، لكن بعضهم يلجأ، من دون قصد، إلى أساليب قد تأتي بنتائج عكسية، مثل التركيز على الأخطاء أو مقارنة أداء الطفل بزملائه أو توجيه اللوم إليه بعد الخسارة.
وقد تناول فيلم توعوي كندي أُنتج عام 2016 هذه الظاهرة، من خلال تصوير حوار بين أب وابنه عقب تدريب رياضي لم يكن بالمستوى المطلوب. يبدأ الأب بملاحظات حول تشتت انتباه الطفل، ثم تتصاعد انتقاداته حتى تتحول من تقييم الأداء إلى التشكيك في شخصية الابن ومدى جديته.
وتوضح كاري داوسون، المديرة التنفيذية السابقة لمؤسسة «True Sport»، أن فقدان المتعة يُعد من أبرز الأسباب التي تدفع الأطفال إلى ترك الرياضة. وتشير إلى أن كثيرًا من الآباء لا يدركون حجم التأثير السلبي الذي قد تتركه كلماتهم، رغم أن دوافعهم الأساسية قد تكون نابعة من الحرص على نجاح أبنائهم.
الصمت بعد المباراة قد يكون أفضل من الحديث
في دراسة أجراها الباحث جيمن كيم من جامعة ولاية ميشيغان الأمريكية، جرى رصد المحادثات بين الآباء وأطفالهم خلال رحلات العودة إلى المنزل بعد المباريات الرياضية.
وأظهرت النتائج أن الصمت استحوذ على نحو 59% من الوقت الذي قضاه المشاركون داخل السيارة، بينما لم يشغل الحديث المتعلق بالرياضة سوى 13% من الوقت.
ويرى الباحث أن الصمت ليس بالضرورة علامة على ضعف التواصل، بل قد يمنح الطفل مساحة نفسية يحتاج إليها لاستيعاب مشاعره، سواء كانت مرتبطة بالخسارة أو الإحباط أو حتى الحماس بعد الفوز.
ولاحظ الباحثون أن بعض الآباء كانوا أكثر تفاؤلًا بشأن أداء أبنائهم مقارنة بتقييم الأطفال لأنفسهم، إلا أن بعضهم كان يتدخل سريعًا في الحديث، من دون إتاحة الفرصة الكافية للطفل للتعبير عما يشعر به.
وقد لخّص أحد الأطفال المشاركين في الدراسة موقفه بقوله إنه يحب ممارسة الرياضة، لكنه لا يمارسها من أجل الدخول في تلك المناقشات بعد المباريات.
وتعكس هذه العبارة أهمية الفصل بين التجربة الرياضية ذاتها وبين الضغوط التي قد ترافقها خارج الملعب، فحين ترتبط ممارسة الرياضة بالتوبيخ والانتقاد المستمر، قد يفقد الطفل تدريجيًا الشعور بالسعادة الذي دفعه إلى ممارستها أساسًا.
تجربة والد سيرينا وفينوس ويليامز
من التجارب اللافتة في هذا المجال أسلوب ريتشارد ويليامز، والد نجمتي التنس العالميتين سيرينا وفينوس ويليامز، الذي اتبع نهجًا مختلفًا في التعامل مع ابنتيه خلال مسيرتهما الرياضية.
فقد كان يحرص على عدم مناقشة تفاصيل مباريات التنس أثناء العودة إلى المنزل، سواء انتهت بالفوز أم بالخسارة، انطلاقًا من رغبته في الحفاظ على التوازن بين حياتهما الرياضية وطفولتهما.
ولم يكن يسمح بتحويل الخسارة إلى مناسبة للوم، كما لم يكن يشجع المبالغة في الاحتفاء بالانتصارات، حتى لا تصبح النتائج الرياضية المعيار الوحيد لتقييم الذات أو الشعور بالنجاح.
وتبرز هذه التجربة أهمية وجود مساحة في حياة الطفل لا تخضع باستمرار لمقاييس المنافسة والإنجاز.
خمس كلمات تعزز ثقة الطفل بنفسه
ينصح جون أوسوليفان، اللاعب المحترف السابق ومؤسس مشروع «Changing the Game»، الآباء باستبدال التحليل المطول للمباراة بعبارة بسيطة تحمل رسالة دعم واضحة: «أحب أن أشاهدك وأنت تلعب».
وتكمن أهمية هذه العبارة في أنها تمنح الطفل شعورًا بأن اهتمام والديه وحبهما لا يتوقفان على الفوز أو تسجيل الأهداف أو تقديم أداء مثالي.
فالطفل غالبًا ما يكون مدركًا للأخطاء التي ارتكبها خلال المباراة، ولا يحتاج بالضرورة إلى سماعها مجددًا فور انتهائها، خصوصًا عندما تكون مشاعر الخيبة أو الغضب لا تزال حاضرة لديه.
من جانبه، يحذر الكاتب والمدرب براد ستولبرغ من تحويل رحلة العودة إلى جلسة تحليل فني مفصلة، حتى عندما يكون أداء الطفل متميزًا، لأن التركيز المفرط على النتائج قد يجعله يعتقد أن رضا والديه مرتبط بمستوى إنجازه الرياضي.
ويؤكد أن الأطفال يحتاجون قبل كل شيء إلى أن يعيشوا طفولتهم بصورة طبيعية، وأن يُترك لهم قرار الحديث عن تجربتهم عندما يشعرون بالاستعداد لذلك.
الدعم العاطفي يحافظ على الشغف الرياضي
لا تعني هذه التوصيات الامتناع عن توجيه الأطفال أو مساعدتهم على تحسين أدائهم، وإنما اختيار الوقت المناسب والأسلوب الذي يحافظ على ثقتهم بأنفسهم.
فبدلًا من البدء بتعداد الأخطاء، يمكن للوالدين سؤال الطفل عما إذا كان قد استمتع بالمباراة، وما أكثر اللحظات التي أحبها، أو ما الذي يرغب في تطويره مستقبلًا، مع احترام رغبته في عدم الحديث مباشرة بعد انتهاء المنافسة.
كما أن تشجيع المثابرة والتعاون والجهد المبذول، بدلًا من حصر الاهتمام بنتيجة الفوز أو الخسارة، يساعد على بناء علاقة صحية ومستدامة مع النشاط الرياضي.
وفي النهاية، لا تُقاس قيمة الرياضة بالنسبة إلى الأطفال بعدد الميداليات أو الأهداف التي يحققونها فحسب، بل بما تمنحهم من متعة وثقة بالنفس وفرص للتعلم والنمو. وقد تكون أفضل هدية يقدمها الأهل لأبنائهم بعد المباراة هي الإصغاء إليهم، وإشعارهم بأن محبتهم وتقديرهم لا يتغيران بتغير النتائج.








اضافةتعليق
التعليقات