كان للطفولة، قبل سنوات، إيقاع مختلف. لم يكن الطفل يملك شاشة في جيبه، ولم تكن أمامه مئات الخيارات التي تنتظر لمسة واحدة كي تبدأ. كان ينتظر موعد برنامجه المفضل، يعرف القناة التي ستعرضه، وربما يختلف مع إخوته حول ما سيشاهدون. وفي ذلك الزمن، كانت قنوات الأطفال، ومن بينها سبيستون، تشكل جزءاً من يوم الطفل، لا مجرد نافذة مفتوحة طوال الوقت.
لم تكن المسألة مرتبطة بالحنين إلى الماضي فحسب، بل بطريقة مختلفة في تقديم المحتوى. كانت الحكاية تمتد على حلقات، والشخصيات تحتاج وقتاً كي تكشف عن طباعها، والأحداث تترك مساحة للطفل كي يتابع ويتوقع وينتظر. وبين المغامرة والضحكة، كانت تمر رسائل عن الصداقة والوفاء والشجاعة وتحمل المسؤولية واحترام الآخرين، من دون أن تبدو القصة وكأنها درس تربوي مباشر.
أما اليوم، فقد انتقل الطفل إلى عالم مختلف تماماً. لم يعد ينتظر موعد البرنامج، بل أصبح المحتوى ينتظره. يكفي أن يفتح يوتيوب حتى تبدأ المقاطع في الظهور تباعاً، وكل مقطع يقود إلى آخر. لم تعد هناك نهاية واضحة للمشاهدة، ولا ضرورة للانتظار حتى اليوم التالي لمعرفة بقية القصة. عالم مفتوح، سريع، ومتجدد باستمرار.
وهنا يكمن أحد أهم التحولات في عالم الطفل: من ثقافة الانتظار إلى ثقافة الاستجابة الفورية.
في السابق، كان الطفل يتكيف مع إيقاع البرنامج؛ أما اليوم، فالمحتوى يتسابق للتكيف مع انتباه الطفل. الثواني الأولى أصبحت مهمة، والمشهد البطيء قد يعني انتقال المشاهد إلى مقطع آخر. ولذلك باتت بعض أشكال المحتوى تعتمد على الحركة السريعة، والمؤثرات المتكررة، والمواقف المتلاحقة، بهدف المحافظة على انتباه المشاهد لأطول فترة ممكنة.
ولا يعني ذلك أن كل ما يقدم عبر يوتيوب سطحي، كما لا يعني أن كل ما عرضته القنوات القديمة كان عميقاً وهادفاً. فالمحتوى الحديث يضم أعمالاً تعليمية وإبداعية وثقافية جيدة، ويتيح للطفل الوصول إلى معارف لم تكن متاحة للأجيال السابقة بالسهولة نفسها. لكن المشكلة تظهر حين يصبح الكم الهائل من المحتوى بديلاً عن الاختيار الواعي، وحين يتحول الطفل من مشاهد لقصة محددة إلى مستهلك لمقاطع لا تنتهي.
لقد تغيرت أيضاً علاقة الأسرة بمشاهدة الطفل. في زمن التلفزيون التقليدي، كانت الشاشة موجودة في مساحة مشتركة غالباً، وكان الأب أو الأم يعرفان، بدرجة أكبر، ما الذي يشاهده الأبناء ومتى يشاهدونه. أما اليوم، فقد أصبحت الشاشة شخصية في كثير من الأحيان، والمحتوى متاحاً في أي وقت ومكان. وهذا منح الأسرة والطفل حرية واسعة، لكنه جعل مسؤولية الاختيار أكثر تعقيداً.
والسؤال هنا ليس: هل كان الماضي أفضل دائماً؟ بل: ماذا نريد من المحتوى الذي يصل إلى أطفالنا؟
فالطفل لا يحتاج إلى الترفيه وحده، كما لا يحتاج إلى دروس أخلاقية متواصلة. هو يحتاج إلى قصة تحترم عقله، وشخصيات يشعر معها بالمشاعر، ومواقف تساعده على فهم الحياة من حوله. يحتاج إلى أن يضحك، وأن يتخيل، وأن يخطئ مع أبطال القصة ويتعلم من أخطائهم. وهذه أمور يمكن أن يقدمها التلفزيون التقليدي، ويمكن أن يقدمها يوتيوب والمنصات الحديثة أيضاً، إذا أحسنّا الاختيار.
ربما لم تكن المشكلة في انتقال الطفل من سبيستون إلى يوتيوب بقدر ما هي في انتقاله من محتوى مختار ومحدود إلى فضاء لا حدود له. وفي هذا الفضاء، لم يعد دور الأسرة أن تمنع الشاشة، بقدر ما أصبح عليها أن ترافق الطفل في استخدامها، وأن تعلمه كيف يختار، ومتى يتوقف، ولماذا لا يستحق كل ما يلفت انتباهه أن يشاهده.
لقد تغير عالم الطفل، وهذه حقيقة لا يمكن تجاهلها. لكن ما يمكن أن نختاره هو شكل هذا التغيير. فالتكنولوجيا ليست عدواً للطفولة، ويوتيوب ليس بالضرورة نقيضاً للكرتون الهادف. التحدي الحقيقي هو أن نحافظ، وسط هذا التدفق الهائل من الصور والأصوات، على شيء كان حاضراً في كثير من حكايات الأمس: أن يكون للترفيه معنى، وأن تترك القصة في ذهن الطفل شيئاً يبقى بعد انتهاء الشاشة.








اضافةتعليق
التعليقات