أصبحت الرسائل النصية جزءا أساسيا من الحياة اليومية، خصوصا لدى الشباب الذين نشؤوا في بيئة رقمية تتيح التواصل السريع في أي وقت، لكن سهولة الكتابة لا تعني بالضرورة امتلاك القدرة نفسها على الحديث المباشر، فالمحادثة الواقعية تتطلب حضورا ذهنيا، واستجابة تلقائية، وانتباها إلى مشاعر الآخر، وتناقش «إندبندنت عربية» احتمال أن يؤدي الاعتماد المستمر على التواصل الرقمي إلى تعزيز المهارات الكتابية على حساب المهارات الشفهية، وهو احتمال يثير أسئلة تربوية حول التوازن بين الوسيلتين، دون أن يبرر الحكم على جيل كامل بالعجز عن الحوار، ويرون ان الرسائل تمنح الأمان والتحكم، لذلك يفضل بعض الشباب المراسلات لأنها تمنحهم وقتا للتفكير، وانتقاء الكلمات، ومراجعة الرد قبل إرساله، أما المكالمة أو اللقاء المباشر فيفرضان تفاعلًا فوريا قد يصاحبه الارتباك أو الخوف من الخطأ.
وتوضح «إندبندنت عربية» أن هذه التفضيلات ترتبط بالشعور بالسيطرة على توقيت التواصل وطريقته، وبالرغبة في حماية الخصوصية وتجنب المقاطعة، ومع تكرار هذا النمط، قد تصبح الكتابة الخيار المريح دائما، بينما تقل ممارسة التعبير الشفهي العفوي، ومن هنا تنشأ الحاجة إلى إتاحة فرص للحوار، بدل الاكتفاء بانتقاد تعلق الشباب بهواتفهم أو تفسير سلوكهم باعتباره ضعفا شخصيا.[1]
ما الذي يضيع خلف الشاشة؟
لا تنتقل المعاني بالكلمات وحدها، فنبرة الصوت وتعابير الوجه وحركة الجسد تساعد على فهم المقصود، وتمييز المزاح من الجدية، والعتاب من الغضب، ويشرح تقرير «الجزيرة نت» أن الرسائل تفتقر إلى هذه الإشارات، فتترك مساحة واسعة للتأويل، وقد تُقرأ كلمة محايدة بوصفها تعبيرا عن البرود أو الانزعاج، تبعا لحالة المتلقي وتوقعاته، وحتى الرموز التعبيرية لا تضمن إزالة الغموض دائما، لذلك يصبح اختزال النقاشات العاطفية المعقدة في عبارات مقتضبة سببا محتملًا لتوسيع الخلاف، حين يظن كل طرف أنه عبر بوضوح بينما يفهم الطرف الآخر معنى مختلفا، ولا يعني ذلك الاستغناء عن المراسلات فهي مناسبة لترتيب المواعيد وتبادل المعلومات والاطمئنان السريع.
وقد تساعد على تهدئة انفعال مؤقت قبل النقاش، لكن التقرير يدعو إلى الانتباه للحظة التي تصبح فيها الكتابة عاجزة عن أداء وظيفتها: عندما تتكرر التبريرات، أو يطول السرد، أو تتحول المحادثة إلى دفاع وهجوم، عندها يتيح الاتصال الصوتي أو اللقاء المباشر سماع النبرة، وطلب التوضيح، وتصحيح الفهم فورا، ويمكن استخلاص قاعدة عملية من ذلك: اختيار وسيلة التواصل بحسب حساسية الموضوع وعمقه، بدل استخدام الرسائل لكل المواقف مهما اختلفت حاجاتها الإنسانية.[2]
قراءة المشاعر تحتاج إلى ممارسة
تتناول مجلة «حكمة» جانبا آخر يتعلق بقدرة الأطفال على فهم الانفعالات، وتعرض دراسة قارنت أطفالًا ابتعدوا عن الشاشات خمسة أيام، مع إتاحة فرص متعددة للتفاعل الشخصي، بآخرين استمروا في استخدامهم المعتاد، وأظهرت المجموعة الأولى تحسنا في قراءة تعابير الوجه والإشارات الانفعالية غير اللفظية، وتبرز هذه النتيجة أهمية الاحتكاك الواقعي في تدريب الطفل على ملاحظة مشاعر الآخرين، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات أن كل استخدام رقمي يضعف التعاطف، أو أن الابتعاد القصير عن الأجهزة يعالج جميع صعوبات التواصل لدى الأطفال والمراهقين.
ويناقش المقال أيضا ما قد تزاحمه الشاشات من تجارب يومية، كاللعب المشترك والقراءة الحوارية بين الأهل والأطفال، فهذه الأنشطة تمنح الطفل فرصة للسؤال والشرح والتفاعل، وتعلم الاستجابة للآخرين في سياق حي، وبناءً على ذلك، يمكن اقتراح أوقات أسرية خالية من الأجهزة، تتسع لحكاية أحداث اليوم أو مناقشة قصة، وأنشطة مدرسية تعتمد تبادل الأدوار في الحديث، وهذه تطبيقات تربوية مستخلصة من أهمية التفاعل الشخصي، وليست وصفة واحدة تصلح لجميع الأعمار، فقيمتها الأساسية في توفير ممارسة منتظمة للحضور والمشاركة والانتباه المتبادل بين الأطفال ومن حولهم.[3]
و تؤكد اليونيسف أن التواصل مع المراهق يبدأ بالاستماع المتفاعل: اهتمام حقيقي، وتعاطف، وامتناع عن إصدار الأحكام المتسرعة، حتى عند اختلاف الآراء، فشعور المراهق بأنه مفهوم ومحترم يساعده على الانفتاح، وتوصي أيضا بإظهار الاستعداد للحديث دون إجباره على وصف مشاعر لا يستطيع التعبير عنها، وبمشاركة اللحظات المضحكة والتفاصيل الإيجابية اليومية، ومن هذه الإرشادات يمكن بناء بيئة تشجع الحوار: أسرة تمنح أبناءها مساحة للكلام، ومدرسة تتيح التعبير وتحترم الاختلاف، فاستعادة الحوار تبدأ حين يجد الشاب من يصغي إليه باهتمام، ويمنحه الوقت لترتيب فكرته وإكمالها، ويعامل صوته بوصفه جديرا بالفهم والاحترام.[4]








اضافةتعليق
التعليقات