خلقنا الله عز وجل وكرمنا على سائر خلقه، وأسجد الملائكة لأبينا آدم، وأعد الجنة لتكون لنا دارًا: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾. وأسكننا الأرض وسخرها لنا، لنقوم بأداء مهمة جليلة ألا وهي عبادته: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾، فنحن لم نأت إلى الأرض لنأكل أو لنشرب أو لنتزوج، بل أتينا لأداء وظيفة محددة: العبودية لله عز وجل.
والعبودية المطلوبة من العبد لربه تشمل خضوعه واستسلامه وانقياده التام والمطلق له، أي أن يكون الله عز وجل هو غايتنا ومطلبنا ومقصدنا في أقوالنا وأفعالنا، وأن يكون حبه أحب الأشياء إلينا، والعمل على رضاه شغلنا الشاغل، ومن مظاهر العبودية أن تصبح تصوراتنا واهتماماتنا متعلقة بالله عز وجل، فنحب ما يحبه، ونبغض ما يبغضه، ومنها خشيته في السر والعلن، والتوكل الدائم عليه، والرجاء فيه، ودعوة الخلق إليه وتحبيبهم فيه، وجهادهم من أجل نشر دينه وإعلاء رايته.
امتحان العبودية وشروط الولاية
إن الوظيفة الأساسية لكل فرد هي ممارسة العبودية لله عز وجل بداية من بلوغه الحلم وحتى موته، هذه الوظيفة ليست سهلة، فالمولى سبحانه جعل المكان الذي يؤدي فيه الفرد امتحان العبودية هو الأرض، وزينها بأشياء كثيرة تميل إليها النفس ليكون الصراع بين ما يحبه الله، وبين ما تحبه النفس: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الَّذَهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكِ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَابِ﴾.
فوجودنا على الأرض يتطلب جهادًا لأنفسنا إن أردنا أن ننجح في الامتحان ولقد ربط سبحانه بين ولايته ومدده ونصرته لعباده، وبين نصرتهم له على أنفسهم وتغيير ما بها: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾. والتحقق بمعاني العبودية يشمل المفاهيم والتصورات والمشاعر، والسر والعلانية، والأقوال والأفعال، وفي المقابل، فكلما خلع العبد رداء عبوديته وسار وراء هواه، ابتعد عن ولاية ربه واستدعى غضبه سبحانه وتعالى واستحق عقابه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
تخيل أن شخصين أرسلا في بعثة لأداء مهمة معينة وفي وقت محدد؛ الأول انبهر بملذات هذا البلد ناسيا المهمة، والآخر انشغل بوظيفته، فمن البديهي أن الذي يقوم بمهمته هو الذي سيحظى برعاية رؤسائه وإجابة مطالبه وقت الحاجة، أما الآخر فلن يلتفت إلى طلباته بل العقوبات تنتظره، ولله المثل الأعلى، فمن اجتهد في القيام بمهمته فقد عرض نفسه لرضا مولاه وعونه، أما من ترك مهمته وانشغل بشهواته فقد عرض نفسه لغضبه سبحانه وحرمانه من المدد.
الكرامة والاستقامة
تتأكد لدينا كرامة العبد عند الله بمدى عبوديته له: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾، فالكرامة والولاية على قدر الاستقامة، واستمرار الولاية مرهون باستمرار الاستقامة: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾، ومما يؤكد هذا المعنى ما حدث لبني إسرائيل فقد فضلهم الله في فترة بسبب صبرهم: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا﴾، وعندما أساءوا استقبال نعم ربهم وقابلوها بالجحود، كان العقاب الأليم بأن جعل منهم قردة وخنازير.
ومن أوفى بعهده من الله
يقص علينا القرآن قصة أناس كانوا في رغد من العيش، فلم يستقبلوا تلك النعم بالعبودية المطلوبة، فسلبها الله منهم: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾، وفي المقابل كم من أناس كانوا في جاهلية وتفرق، فغيروا ما بأنفسهم وأصبحوا عبيدا لله عز وجل، فكان الوفاء الكريم السريع منه سبحانه فغير ما بهم وأعطاهم مفاتيح الأرض ليكونوا سادتها.
فإذا ما أسقطنا هذه القاعدة على الواقع الذي تحياه أمتنا الآن، نجد أن ما يحدث لنا من ذل وهوان وبؤس لم يأت من فراغ، بل بسبب ما اقترفته أيدينا، فبأفعالنا استدعينا غضب الله علينا.








اضافةتعليق
التعليقات