ما أجمل ديننا حين نرى عنايته بأدقِّ تفاصيل حياة الإنسان؛ فلا يقتصر على تنظيم أعماله الظاهرة، بل يتجاوز ذلك إلى إصلاح باطنه، ومراقبة نياته، وتقويم مقاصده. فهو لا يهتم بحركات الجوارح فحسب، بل ينفذ إلى أعماق القلب، إلى تلك الطبقات التي لا تدركها الأبصار، وإنما تكشفها البصائر.
ولعل من أوضح الشواهد على هذه الدقة ما ورد عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام: «لِلصَّلاةِ أَرْبَعَةُ آلَافِ حَدٍّ.» فهذه الصلاة التي قد يؤديها كثير منا على عجل، ليست مجرد أفعال وأقوال، بل عالم واسع من الأحكام والآداب والأسرار والحدود، حتى إن أكثر الناس لا يعرفون إلا القليل منها، فضلًا عن العمل بها.
ومن هذا المعنى ننتقل إلى مبدأ أعظم، يجمع بين الدين والدنيا والآخرة، وهو النية؛ ذلك العمل الذي لا يحتاج إلى عناء الجوارح بقدر ما يحتاج إلى صفاء الجوانح. فعندها ندرك أن ليست كل مشاركة تُقاس بخطوات الأقدام، ولا كل نصرة تُوزن بوقع السيوف في ساحات القتال، بل هناك مشاركة يصنعها القلب حين يصدق في ولائه، وتصوغها النية حين تتحد مع رسالة الحق.
ومن هنا جاءت كلمات جابر بن عبد الله الأنصاري عند أول زيارة للإمام الحسين عليه السلام في يوم الأربعين، لتكشف هذا البعد العميق في مفهوم الانتماء الحسيني. فقد وقف عند القبر الشريف، وسلّم على الشهداء قائلاً: السلام عليكم أيتها الأرواح التي حلّت بفناء الحسين وأناخت برحله، أشهد أنكم أقمتم الصلاة، وآتيتم الزكاة، وأمرتم بالمعروف، ونهيتم عن المنكر، وجاهدتم الملحدين، وعبدتم الله حتى أتاكم اليقين.
ثم أقسم قائلاً: والذي بعث محمداً بالحق نبيًّا، لقد شاركناكم فيما دخلتم فيه.
وهنا يبرز السؤال الجوهري: كيف يشارك من لم يشهد المعركة، ولم يحمل السلاح، ولم يذق مرارة القتال والسبي؟
لقد طرح عطية العوفي هذا السؤال نفسه، فقال لجابر: وكيف نشاركهم يا جابر، ولم نهبط واديًا، ولم نعلُ جبلًا، ولم نضرب بسيف، والقوم قد فُرِّق بين رؤوسهم وأبدانهم، وأُيتمت أولادهم، وأُرملت نساؤهم؟
فأجابه جابر بكلمة أصبحت ميزانًا خالدًا لفهم المشاركة الحقيقية: يا عطية، سمعتُ حبيبي رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: من أحبَّ قومًا حُشر معهم، ومن أحبَّ عملَ قومٍ أُشرك في عملهم. والذي بعث محمدًا بالحق نبيًّا، إن نيتي ونية أصحابي على ما مضى عليه الحسين وأصحابه.
إن جواب جابر يفتح أمامنا أفقًا واسعًا لفهم حقيقة المشاركة في نهضة الإمام الحسين عليه السلام؛ فهي ليست حضورًا زمانيًا أو مكانيًا فحسب، بل موافقة في العقيدة، وصدقًا في المحبة، وسيرًا على النهج، واستعدادًا لتحمل مسؤولية الرسالة في كل عصر.
ومن هنا يصبح حديث جابر يوم الأربعين أكثر من مجرد موقف تاريخي؛ إنه إعلان خالد بأن طريق الحسين عليه السلام لا يختص بمن قاتل معه، بل يمتد إلى كل من حمل أهدافه، وأحيا قضيته، وجعل مبادئه منهجًا لحياته. فالمشاركة التي أرادها جابر ليست مشاركة الأجساد، وإنما مشاركة القلوب والنيات، لأن العمل يبدأ من القلب، والنية الصادقة قد تبلغ بصاحبها منزلة من سبقوه إلى ميادين التضحية.
ولم يقف هذا المفهوم عند جابر، بل تجلّى بأسمى صوره في كلمات بقية الله في أرضه، الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف، وهو يخاطب جده الحسين عليه السلام في زيارة الناحية المقدسة: فَلَئِنْ أَخَّرَتْنِي الدُّهُورُ، وَعَاقَنِي عَنْ نَصْرِكَ الْمَقْدُورُ، وَلَمْ أَكُنْ لِمَنْ حَارَبَكَ مُحَارِبًا، وَلِمَنْ نَصَبَ لَكَ الْعَدَاوَةَ مُنَاصِبًا، فَلَأَنْدُبَنَّكَ صَبَاحًا وَمَسَاءً، وَلَأَبْكِيَنَّ عَلَيْكَ بَدَلَ الدُّمُوعِ دَمًا…
إن الإمام المهدي عليه السلام يعلم أنه لم يكن حاضرًا يوم عاشوراء، ولكن تأخر الزمان لم يمنعه من إعلان النصرة، ولم يحل بينه وبين المشاركة الوجدانية والرسالية. فهو يبين أن فوات الحضور لا يعني فوات النصرة، وأن المؤمن الصادق يستطيع أن يكون مع الحسين عليه السلام إذا حمل قضيته، وعاش أهدافه، وثبت على نهجه.
لذلك نرفع الأصوات بلبيك يا حسين وهو الذي رفع النداء وقال عليه السلام: والله لا يسكن دمي حتى يبعث الله المهدي عجل الله فرجه الشريف، فنردد عند كل خطوة يا رب الحسين بحق الحسين اشف صدر الحسين عليه السلام بظهورالحجة ارواحنا لتراب مقدمه الفداء.
فليكن لكل واحد منا نصيب من هذا العهد؛ أن لا تكون زيارة الأربعين مجرد مسير للأقدام، بل مسيرًا للقلوب إلى الله، وأن لا يكون حب الحسين عليه السلام شعارًا يُرفع، بل رسالةً تُجسَّد في الأخلاق، والطاعة، والإصلاح، وخدمة الدين ونصرة لبقية العترة منتقم الثار الحجة المنتظر ارواحنا له الفداء.








اضافةتعليق
التعليقات