إذا أردنا أن نقف على شيءٍ من عظمة الإمام الحسن المجتبى عليه السلام، فإن أول ما ينبغي أن نتأمله هو نظرة رسول الله صلى الله عليه وآله إليه. فالنبي صلى الله عليه وآله لم يكن يكتفي بإظهار محبته لسبطه الأكبر، بل كان يعلن هذه المحبة على رؤوس الأشهاد، ويؤكد طهارته وسمو منزلته، لتبقى كلماته حجةً على الأمة إلى يوم القيامة. ولم تكن تلك المحبة عاطفة جدٍّ نحو حفيده، وإنما كانت بيانًا نبويًا يكشف عن مقامٍ اختاره الله له، وعن إمامٍ جعله رسول الله صلى الله عليه وآله قدوةً للأمة.
ومن أبلغ ما ورد في ذلك قوله صلى الله عليه وآله: «اللهم إني أحبه فأحِبَّه، وأحبَّ من يحبه»، وهو دعاء يكشف أن محبة الإمام الحسن عليه السلام ليست أمرًا عاطفيًا فحسب، بل هي طريق إلى محبة الله تعالى، وأن من أحبَّه فقد أحبَّ من أحبه الله ورسوله.
ومن هنا، فإن الأخبار الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وآله في بيان حبه للإمام الحسن عليه السلام ليست مجرد فضائل تُروى، بل هي مفاتيح لمعرفة عظمة هذا الإمام، وطهارته، ومكانته عند الله ورسوله، ودعوته للأمة إلى الاقتداء به والسير على نهجه.
لذلك فإن الشك في مقامه وصلاح رأيه يسبب بإزالة الإيمان من القلب، فعندما شك أصحابه بصلاح رأيه فقد سقطوا وزلزلت قلوبهم وأصبحوا من الخاسرين، هذا سبط النبي صلى الله عليه وآله الذي كان يوقره ويبين عظمته وعلو شأنه وقال في حقه: الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة. وقال: الحسن والحسين امامان قاما أو قعدا. ولكن كيف كان تعامل الناس معهم؟ من سمعوا تعظيم النبي صلى الله عليه وآله والتجليل مرارا في حقهما!
فقد كانت جماعة منهم تنعت مولانا الحسن المجتبى عليه السلام بمذل المؤمنين!
ياترى كم هي عظمة المؤامرة حيث يقال لامام معصوم لسيد شباب أهل الجنة مذل المؤمنين!، هو كان معز المؤمنين ولكن عيونهم لم تبصر، فقد حافظ على بيضة الاسلام وأنقذهم من الذل والغدر، فقد شاهد ضعف الجماعة وعدم قدرتهم على النصرة وتزلزلهم فرأى بأن الصلح مع معاوية انقاذ لأرواح أصحابه الخلص.
خطبته لما عزم الصلح
روي أنه لما صار معاوية نحو العراق وتحرك الحسن عليه السلام واستنفر الناس للجهاد فتثاقلوا عنه، صار عليه السلام حتى نزل ساباط، وبات هناك، فلما أصبح أراد عليه السلام أن يمتحن أصحابه، ويستبرئ أحوالهم في طاعته، ليميز أولياءه من أعدائه، ويكون على بصيرة من لقاء معاوية، فأمر أن ينادى في الناس بالصلاة جامعة، فاجتمعوا، فصعد المنبر فخطبهم، فقال: الحمد لله كلما حمده حامد، وأشهد أن لا إله إلا الله كلما شهد له شاهد، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالحق وائتمنه على الوحي.
أما بعد، فو الله إني لأرجوا أن أكون قد أصبحت بحمد الله ومنه، وأنا أنصح خلق الله لخلقه، وما أصبحت محتملا على أمر مسلم ضغينة، ولا مريدا له بسوء ولا غائلة، وأن ما تكرهون في الجماعة خير لكم مما تحبون في الفرقة، وإني ناظر لكم خيرا من نظركم لأنفسكم، فلا تخالفوا أمري ولا تردوا على رأيي، غفر الله لي ولكم، وأرشدني وإياكم لما فيه المحبة والرضا. قال: فنظر الناس بعضهم إلى بعض، وقالوا: ما ترونه يريد بما قال؟ قالوا: نظن أنه يريد أن يصالح معاوية ويسلم الأمر إليه، فقالوا: كفر والله الرجل وشدوا على فسطاطه، فانتبهوا، حتى أخذوا مصلاه من تحته - الخ ..
من بين استعداده التام للقتال انزلق في نهاية المطاف واستسلم لقوى الشيطان وصار من جنوده وترك امام زمانه كان يراه بعينه ولكن قلبه أعمى.
كم هو صعب أمرنا ونحن بعيدون عن امام زماننا أرواحنا له الفداء، كيف نتعامل مع ما نسمع ونرى؟ إن الأمر صعب مستصعب لأن الايمان في آخر الزمان كإلقاء الجمر في اليد.
فالغيبة لا تُسقط مسؤولية التسليم لإمام الزمان، بل تزيدها. فالمؤمن الصادق هو الذي يوقن أن إمامه أعلم بمصالح الدين والأمة من نفسه، فيسلِّم لأمره، ويربط قلبه به، وينتظر فرجه وهو ثابتٌ على ولايته، لا تزعزعه الفتن، ولا تشتته الشبهات، ولا يستعجل ما أخَّره الله بحكمته.
لقد خسر أولئك لأنهم لم يصبروا مع إمامهم، وربح الأوفياء لأنهم سلَّموا لحكمته وإن خفيت عليهم أسبابها. واليوم يُمتحن كل واحد منا: هل نكون من المنتظرين حقًا، الذين يزدادون يقينًا مع طول الغيبة، أم نكون ممن تزلزلهم الأحداث فيضعف ارتباطهم بإمامهم؟.








اضافةتعليق
التعليقات