لم نتصور تلك الأوجاع البسيطة تنتهي إلى كل تلك الكوابيس الموحشة في النهاية. كانت تتألم في البداية ولكن تخفي آلامها ظناً منها بأنها تختفي مع مرور الأيام، ولكن لم تختفِ أبداً، بل كانت تتحول بشكل مرعب وتتزايد بطريقة موحشة لتصبح غولاً عملاقاً يقضي على جمال لحظاتنا معاً. اليوم، كلما أتألم من عدم وجودها وتخنقني العبرة في كل لحظة، أتمنى وجودها معنا، وأتذكر أنها نائمة تحت التراب حيث تغيرت ملامحها ولم تبقَ منها سوى الذكريات التي تذكرنا بأن لا نستهين بأية إشارة تهدد الصحة.
ولا نؤخر عمل اليوم إلى غد، ولا نتصور أن المرض يختفي من تلقاء نفسه، بل كل هذه الأمور تحتاج إلى عناية مركزة للحفاظ على سلامة من نحب وسلامة قلوبنا، حيث لا شيء يمكنه تسكين الخواطر عند الفقد، ولا شيء باستطاعته إرجاع الماضي ومن نحب…
لأن مرض السرطان ينتشر عبر عملية تُسمّى النقائل حيث:
تكتسب الخلايا السرطانية القدرة على الانفصال عن الورم الأصلي.
تخترق الأنسجة المحيطة وتدخل إلى الأوعية الدموية أو اللمفاوية.
تنتقل عبر الدم أو الجهاز اللمفاوي إلى أعضاء أخرى.
تستقر في نسيج جديد، تتكاثر، وتكوّن أورامًا ثانوية.
التشخيص المبكر يمنع وصول الخلايا لمرحلة الانتشار. العلاج يكون أسهل وأكثر نجاحًا قبل تكوّن النقائل. يقلّل من المضاعفات ويحافظ على وظائف الأعضاء. يرفع نسبة الشفاء بشكل كبير. في النهاية، السرطان في بدايته غالبًا يمكن السيطرة عليه، لكن إهماله يسمح له بالانتشار داخل الجسم، مما يجعل العلاج أصعب.
بينما نبكي على الأحباب وفقدِهم، رأيت بأن هناك أمراً أوجع من السرطان في جسم الأحبة ومن فقدهم؛ السرطان الذي انتشر في جسد العالم وبدأ ينتشر ويتناقل بصورة مرعبة ويقضي على العقول والضمائر، وجعل من الناس مجموعة دمى متحركة في لعبة قمار لا فائدة منها سوى الخسران والدمار. في كل يوم يفقد مجموعة كبيرة من الناس معتقداتهم وكرامتهم بسبب عدم الاهتمام بنشر الكتل السرطانية.
منذ أن نُصب العداء لآل محمد عليهم أفضل الصلاة والسلام وهُتكت حرمتهم، رُفعت البركات من حياة الناس وجُعلوا في متاهة مخيفة لا يمكن الخلاص منها، لذلك نقرأ في الزيارة المقدسة لسيد الشهداء عليه السلام: "السلام على من هُتكت حرمته"…
روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّ اللَّه حرّم من المسلم دمه وماله وعرضه وأن يظنّ به ظنّ السّوء".
وهكذا، كما يفتك المرض بالجسد حين يُهمل، فقد فتك الجهل والعداء بقلوبٍ لم تعرف قدر أولياء الله… حتى وصل الأمر إلى واحدة من أعظم الجراح في تاريخ الأمة، يوم تخريب القبور في البقيع.
لم يكن ذلك مجرد هدمٍ لحجارةٍ صامتة، بل كان هتكًا لحرمةٍ عظيمة، واعتداءً على ذاكرة الأمة، وطمسًا لمعالم الهداية التي أضاءت طريق الإنسانية. هناك، في مقبرة البقيع ترقد أجسادٌ طاهرة، لكن جراح القلوب لم تُدفن معها…
سلامٌ على من هُتكت حرماتهم، وسُلبت قبورهم، وبقيت مظلوميتهم تصرخ في ضمير الزمان…
فهل نتعلم من الألم؟
وهل نحفظ ما تبقى من القيم قبل أن تُهدم في داخلنا كما هُدمت تلك القبور؟
إنّ إحياء هذه الذكرى ليس بكاءً على الماضي فقط، بل هو وعيٌ يحفظ الحاضر، ومسؤوليةٌ تبني المستقبل… حتى لا يتكرر الهدم، لا في الأرض… ولا في القلوب.
والحديث عن هذا الحدث يذكّر العالم بأن: الظلم لا يُنسى، والسكوت عنه يسمح بتكراره. لذلك نحن أمام مسؤولية عظمى كي ينشأ وعي عالمي يرفض أي انتهاك للحقوق، لأنه عندما يعيش الإنسان ألم المظلومية يصبح أكثر رحمة وأكثر حساسية تجاه معاناة الآخرين، ولا يعبر عما يحدث في العالم من ظلم مرور الكرام أو بلا مبالاة.
وكما أن إهمال المرض يؤدي إلى انتشاره، فإن إهمال القيم يؤدي إلى ضياع الهوية وضعف الدين.
هذا اليوم يوقظ الإنسان من الغفلة. تعظيم هذا اليوم ليس مجرد حزن، بل هو: مدرسة وعي، صرخة ضد الظلم، وتذكير دائم بأن هتك الحرمات لا يهدم القبور فقط… بل يهدم القيم داخل الإنسان.
إن النفوس تفقد كرامتها بأبخس الثمن وأتفه السلع. فنحن اليوم أمام سوق مفتوح يدفعنا لبيع أنفسنا وكرامتها في أية لحظة؛ إما أن نقتدي بساداتنا الأطهار ونرفع رؤوسنا بعزة وكرامة، وإما أن نمد يد الذلة مع الظلمة ونفقد ضمائرنا لأجل الدنيا وأصحابها، ونتجه نحو الهاوية بذهابنا إلى القبور وتخريبها!
قال رسولنا الكريم صلى الله عليه وآله: "حرمة المؤمن ميّتاً كحرمته حيّاً".
لذلك لا يجوز إهانة الميت، كشف عيوبه، والتعدّي على جسده أو قبره. ومن أسوأ ما حدث، ومن أعظم مصاديق هتك الحرمة ما حدث في البقيع الغرقد: حيث خربوا المراقد المشيدة على القبور، وهذا الفعل إهانة لأصحابه والتمرد عليهم.
هتك الحرمة يبدأ بفكرة… ثم يتحول إلى فعل… ثم إلى كارثةٍ لا يمكن تداركها.
ونحن اليوم نعيش بعض كوارثها، فهل نعتبر؟








اضافةتعليق
التعليقات