حين يلتقي البحث الأكاديمي بالنبض الوجداني، تولد قراءة مختلفة تعيد تشكيل السيرة في قالب جمالي مؤثر. في هذا الحوار مع الكاتبة والأستاذة زهراء سالم جبار، نقترب من تجربة علمية وإنسانية تستنطق شخصية أبي الفضل العباس (عليه السلام) عبر لغة الشعر وعمق الدلالة، لنكشف كيف تتحول السيرة إلى خطاب جمالي نابض بالقيم.
س/بدايةً، نبارك لكِ نيل شهادة الماجستير، ما الدافع لاختيار شخصية أبي الفضل العباس (عليه السلام) موضوعًا لبحثكِ الأكاديمي؟
ج/ شكرًا جزيلًا، فكان الدافع لاختيار شخصية أبي الفضل العباس (عليه السلام) موضوعًا لبحثي الأكاديمي يعود إلى مكانته الكبيرة في التاريخ الإسلامي والقيم الإنسانية العالية التي جسدها، مثل الشجاعة، الوفاء، والتضحية من أجل الحق، فأردتُ دراسة هذه الشخصية علميًّا وأدبيًّا لفهم كيف يمكن لهذه القيم أن تؤثر في الأدب والفكر، وكيف تُشكل أنموذجًا أخلاقيًا وإنسانيًا يمكن الاستفادة منه في الوقت الحاضر.
س/يحمل بحثكِ عنوان «شخصيّة أبي الفضل العباس (عليه السلام) في قصائد الجود – دراسة في شعريّة السيرة»، كيف يمكن للقارئ أن يفهم مفهوم شعرية السيرة في هذا السياق؟
ج/ يمكن للقارئ أن يفهم مفهوم شعرية السيرة في هذا السياق على أنّه دراسة كيفية تحويل حياة شخصية تاريخية مثل أبي الفضل العباس (عليه السلام) إلى نص شعري غني بالصور والمعاني، أي أنّ البحث لا يكتفي بسرد الوقائع التاريخية، بل يحلل الأساليب الشعرية واللغة والصور البلاغية التي وظفها الشعراء لتجسيد شخصيته وقيمه، وكيف تجعل هذه القصائد القارئ يعيش التجربة ويتفاعل معها عاطفًّيا وفكريًّا.
س/لماذا وقع اختياركِ على قصائد الجود تحديدًا بوصفها متنًا شعريًا للدراسة؟
ج/ وقع اختياري على قصائد الجود؛ لأنَّها تمثّل صورة شعريّة غنية لشخصية أبي الفضل العباس (عليه السلام)، وتقدم سردًا شعريًّا متكاملاً يجمع بين الحدث التاريخي والقيم الإنسانية والأخلاقية التي جسدها، كما تتميّز هذه القصائد بالأسلوب البلاغي واللغة التصويرية التي تسمح بتحليل شعرية السيرة بشكل دقيق، ممّا يجعلها مادة مثالية لدراسة العلاقة بين التاريخ والأدب والشعر.
س/كيف قدّم الشعراء شخصية أبي الفضل العباس (عليه السلام) بين البعد التاريخي والبعد الرمزي؟
ج/قدّم الشعراء شخصية أبي الفضل العباس (عليه السلام) بطريقة توازن بين البعد التاريخي والبعد الرمزي، فعلى المستوى التاريخي، ركّزوا على الأحداث الواقعية التي عاشها، مثل مشاركته في كربلاء ودوره البطولي، مع الالتزام بالحقائق التاريخية، أمّا على المستوى الرمزي، فقد جسّدوا فيه القيم والمثل العليا مثل الشجاعة، الوفاء، التضحية، والإخلاص، ليصبح أنموذجًا إنسانيًا وأخلاقيًا يتجاوز مجرد السرد التاريخي، ويصل إلى تجربة عاطفية وفكرية يستفيد منها القارئ، وبهذا الشكل، تتيح القصائد دراسة شخصية تاريخية متجذرة في الواقع، ومؤثرة رمزيًا على الوعي الأدبي والثقافي.
س/إلى أيّ مدى نجح الشعر في تحويل السيرة إلى خطاب جمالي مؤثر دون الإخلال بقدسيتها؟
ج/ نجح الشعر إلى حدّ كبير في تحويل سيرة أبي الفضل العباس (عليه السلام) إلى خطاب جمالي مؤثر، إذ وظّف الشعراء الصور البلاغية، اللغة التصويرية، والإيقاع الشعري لإبراز مواقفه وقيمه الإنسانية بطريقة تلامس القلوب، في الوقت نفسه، حافظ الشعر على قدسية الشخصية والأحداث التاريخية من خلال الحفاظ على الوقائع التاريخيّة وعدم التحريف فيها، ما جعل القصائد تجمع بين التأثير الفني والواقع التاريخي.
س/ ما أبرز السمات الفنية التي ركزتِ عليها في بناء صورة أبي الفضل العباس (عليه السلام) داخل النصوص الشعرية؟
ج/ إنّ أبرز السمات الفنية التي ركّز عليها الشعراء في بناء صورة أبي الفضل العباس (عليه السلام) في قصائدهم الشعريّة تكمن في اللغة التصويرية والبلاغة المركّزة التي تجسّد بطولاته ومواقفه الإنسانية بشكل حيّ، والإيقاع الشعري والوزن الفني الذي يعمّق التأثير العاطفي على المتلقي.
س/كيف تجلت قيم الوفاء، الإيثار، الشجاعة، والجود في قصائد الدراسة؟
ج/ تجلت قيم الوفاء، الإيثار، الشجاعة، في قصائد الجود عن طريق عرض الشعراء للمواقف البطولية لأبي الفضل العباس (عليه السلام) بأسلوب شعري مؤثر، فقد وظّف الشعراء الصور البلاغية والرمزية والإيقاع الشعري لتعميق التأثير العاطفي والأخلاقي لهذه القيم على القارئ، ممّا جعل الشخصية أنموذجًا متكاملاً للأخلاق والبطولة الإنسانية.
س/ هل لاحظتِ تفاوتًا في الرؤية الشعرية لشخصية أبي الفضل العباس (عليه السلام) بين شاعر وآخر؟ وما أسباب ذلك؟
ج/ نعم، هناك تفاوت واضح في الرؤية الشعرية لشخصية أبي الفضل العباس (عليه السلام) بين شاعر وآخر، ويعود ذلك إلى الخلفية الفكرية لكلّ شاعر بناءً على عواطفهم، وبيئتهم، وثقافتهم، وتجاربهم الشخصية، والمدى الذي يتأثر فيه بالزّمان والمكان، والأسلوب الشعري الخاص به، واهتمامه بالجانب الرمزي أو التاريخي، فبعض الشعراء ركّزوا على الأبعاد البطولية والميدانية للشخصية، مثل الشجاعة والوفاء في كربلاء، بينما ركز آخرون على الرمزية الأخلاقية والإنسانية، مثل الجود والإيثار والقيم الروحية، هذا التباين يعكس قدرة الشعر على تقديم شخصية متعدّدة الأبعاد، تجمع بين الدقة التاريخية والعمق الرمزي، مما يتيح للقرّاء استكشافها من منظورات مختلفة.
س/ كيف أسهمت البلاغة والصورة الشعرية في تعميق الأثر الوجداني للسيرة في المتلقي؟
ج/ أسهمت البلاغة والصورة الشعرية في تعميق الأثر الوجداني للسيرة في المتلقي من خلال إضفاء قوّة وجمالية على السرد التاريخي، فالبلاغة، بما فيها الاستعارات، التشبيهات، والتكرار، تشد الانتباه وتبرز المواقف البطولية والأخلاقية للشخصية، بينما الصور الشعرية تجعل القارئ يتخيل الأحداث ويعيش المشاعر المرتبطة بها، مثل الشجاعة، الوفاء، والإيثار، وبهذا، يتحوّل النص الشعري إلى تجربة عاطفية مباشرة، تجعل السيرة ليست مجرد سرد للوقائع، بل خطابًا جماليًا مؤثرًا يترك أثرًا نفسيًا وأخلاقيًا عميقًا في المتلقي.
س/ برأيكِ، ما دور الشعر في حفظ سيرة أهل البيت (عليهم السلام) وإبقائها حاضرة في الوعي الجمعي؟
ج/ برأيي، يؤدّي الشعر دورًا أساسيًا في حفظ سيرة أهل البيت (عليهم السلام) وإبقائها حاضرة في الوعي الجمعي، لأنّه يقوم على تجسيد الأحداث والمواقف التاريخية بلغة مؤثرة وصور بلاغية قوية، ما يجعل القارئ أو المستمع يتفاعل عاطفيًا وفكريًا مع الشخصيات والقيم التي يمثلونها، فالشعر بذلك لا ينقل الوقائع فقط، بل يعيد صياغتها في خطاب جمالي ورمزي يضمن استمرار أثرها وتعليم قيمها للأجيال.
س/أثناء اشتغالكِ على هذا البحث، كيف أثّر التفاعل الروحي مع الشخصية المدروسة على تجربتكِ البحثية؟
ج/ شكّل التفاعل الرّوحي مع شخصية أبي الفضل العباس (عليه السلام) عنصرًا محوريًا في تجربتي البحثية، إذ لم يقتصر العمل على التحليل الأكاديمي للنصوص وحسب، بل أصبح تجربة وجدانية وأخلاقيّة متكاملة، وهذا التفاعل سمح لي بفهم عمق القيم الإنسانية التي جسدها العباس (عليه السلام)، مثل: الوفاء، الشجاعة، التضحية، كما أثرى تحليلي للصور الشعرية والبلاغة التي وظّفها الشعراء، وجعلني أدركُ القدرة الرمزية للسيرة على التأثير النفسي والأخلاقي في المتلقي، ممّا منح الدراسة عمقًا معرفيًا وروحيًا متكاملاً.
س/ما التحديات المنهجية التي واجهتكِ في الموازنة بين التحليل الأكاديمي واحترام البعد العقائدي للنصوص؟
ج/ تمثّل التحدي المنهجي الأبرز في عدم الفصل بين البعدين الجمالي والعقائدي للنصوص، مع الحفاظ على التحليل الأكاديمي، فالدراسة تفرض تفكيك البنية الشعرية وتحليل الصور والرموز والدلالات، دون إخضاع النص لمنهج نقدي قد يُفضي إلى تجريد السيرة من بعدها الإيماني أو التعامل معها بوصفها مادة فنية محايدة؛ لذلك انطلقتُ بالقراءة من وعيّ بأنّ النصوص تجمع بين خطاب جمالي وخطاب عقدي متداخلين، الأمر الذي استدعى اعتماد منهج تحليلي يحترم قدسية الشخصية المدروسة، ويشتغل في الوقت نفسه على كشف آليات التعبير الشعري وأثرها في المتلقي.
س/كيف ترين إسهام هذا البحث في الدراسات الأدبية التي تعنى بأدب السيرة والشعر الحسيني؟
ج/ أُسهِم هذا البحث من خلال ترسيخ مفهوم (شعرية السيرة) بوصفه إطارًا لتحليل تمثيل الشخصيّة الدينيّة في الشعر، فقد قدّم قراءة تحليلية للنصوص توازن بين البعد الجمالي والبعد الدلالي للسيرة، وتكشف آليات بناء الصورة الشعرية والقيم الأخلاقية داخل الخطاب الحسيني، كما يميّز البحث نفسه بمحاولة إخضاع الشعر الحسيني لمنهج نقدي أدبي واضح دون الإخلال بخصوصيته العقدية، ممّا يفتح المجال أمام مقاربات نقدية أعمق لهذا اللّون من الشعر في الدراسات المستقبلية.
س/ بعد هذه التجربة، هل ترغبين بالاستمرار في الاشتغال على الأدب المرتبط بسيرة أهل البيت (عليهم السلام)؟
ج/ نعم؛ لكونه الامتداد الطبيعي لانتمائي العقائدي أوّلاً، والوجداني ثانيًا، ومن هذا المنطلق سعيتُ إلى توظيف هذا الارتباط في دراستي للنصوص المرتبطة بهم، بغض النظر عن نوعها، سواء كانت شعرية أو غير شعرية، بحيث أصبح الاهتمام بالنصوص وسيلة لفهم وإبراز قيمهم وتعميق الوعي بها، مع الحفاظ على منهجية علمية دقيقة تجمع بين التحليل الأدبي والوفاء للبعد العقائدي.
أخيرًا، ما الرسالة التي ترغبين بإيصالها للقارئ من خلال دراستكِ لشخصية أبي الفضل العباس (عليه السلام) شعريًا؟
ج/ إنّ الرسالة التي أرغبُ في إيصالها للقارئ أنّ شخصية أبي الفضل العباس (عليه السلام) ليست مجرّد حدثًا تاريخيّا، بل أنموذجًا متكاملاً للقيم الإنسانية والعقائدية، ويمكن للشعر أن يجسدها بطريقة جمالية مؤثرة، تحفظ قدسية السيرة وتبقيها حاضرة في الوعي الجمعي.
س/ ما الذي أضافته لكِ الجامعة بوصفكِ كاتبة، وما الذي أضافه الأدب لكِ كأستاذة؟
ج/أضافت لي الجامعة، بوصفـي كاتبة، القدرة على التفكير المنظّم، واحترام الفكرة قبل كتابتها، فتعلّمت كيف أرتّب أفكاري، وكيف أختار كلماتي بدقة، وألا أكتب إلا بعد فهم عميق للموضوع، في حين أضافَ لي الأدب عمقًا معرفيًّا وثقافيًّا، إذ سلّحني بمهارات تحليل النصوص، النقد الأدبي، والقدرة على التذوق الفني للشعر والنثر، ممّا جعلني قادرة على نقل المعرفة بأسلوب متميز ومشوق، وإثراء وعي الطلبة باللغة وثقافتها، فضلاً عن تطوير قدراتهم في الكتابة، البحث العلمي، والتدقيق اللغوي.
س/ هل ترين أن المنهج الأكاديمي يقيّد الإبداع أم يصقله؟
ج/في رأييي أنّ المنهج الأكاديمي لا يقيّد الإبداع بالضرورة، بل يمكن أن يصقله إذا تمَّ التعامل معه بشكل صحيح، فهو يعطي أدوات للفكر: ترتيب الأفكار، البحث الدقيق، والتحليل المنهجي، وكلّ هذا يساعد الكاتب أو الباحث على التعبير عن أفكاره بوضوح وقوة، ولكن أحيانًا، إذا التزم الشخص بالقواعد الجامدة فقط دون مرونة، قد يشعر بالقيود ويصبح الإبداع محدودًا؛ لذلك، المنهج الأكاديمي يكون سيفًا ذا حدين: يصقل العقل وينظّم التفكير، لكنّه يحتاج إلى مساحة للإبداع لكي يُترجم الفكر إلى إنتاج أصيل وجديد.








اضافةتعليق
التعليقات