• الرئيسية
  • كل المواضيع
  • الاتصال بنا
facebook twitter instagram telegram
بشرى حياة
☰
  • اسلاميات
  • حقوق
  • علاقات زوجية
  • تطوير
  • ثقافة
  • اعلام
  • منوعات
  • صحة وعلوم
  • تربية
  • خواطر

الدعاء… جبهة الروح في زمن العواصف

ضمياء العوادي / الثلاثاء 17 آذار 2026 / اسلاميات / 651
شارك الموضوع :

تلك الأدعية التي لم تكن مجرد مناجاة، بل مدرسة كاملة في معرفة الله، وفي آداب الحديث معه

مع كلِّ موجةٍ من الصراعات والحروب، ومع اشتداد الخطر الذي يطرق أبواب المدن والبيوت والقلوب، كنّا نلوذ بعبارةٍ تشبه التميمة الروحية التي تزرع الطمأنينة في صدورنا:

«إنّي أريد أماناً يا بن فاطمة مستمسكاً بيدي من طارق الزمن».

كانت أمي تكتبها على جدران البيت كما لو أنها ترسم حدود الأمان حولنا، فنشعر أن ذلك الجدار لم يعد طيناً أو حجراً، بل صار ظلَّ عباءةٍ تمتد من التاريخ لتغمرنا بالحماية. كنا نقرأها قبل النوم فنرقد بطمأنينةٍ عجيبة، كأن الأرواح الصغيرة التي تسكن صدور الأطفال قد وجدت سندها الخفي، وكأن الخوف الذي كان يتسلل من نوافذ الأخبار وأصوات الانفجارات قد انكسر عند عتبة تلك الكلمات.

منذ ذلك الوقت أدركتُ أن الدين لم يكن يوماً مجرد طقوسٍ تُؤدَّى، بل هو الحبل الذي يتشبث به الإنسان حين تضيق الأرض وتثقل الأيام. فالفطرة التي خلق الله (عزّ وجلّ) الإنسان عليها لا تستطيع أن تنكر حاجتها إلى السماء، حتى وإن حاولت العقول أن تتجاهلها. فكم من إنسانٍ سار في دروب الشك، أو دفعته الحياة إلى مساحاتٍ بعيدة عن الإيمان، لكنه حين يشتد الخوف أو تضيق به السبل يكتشف أن في داخله نداءً خفياً يبحث عن إلهٍ يلوذ به.

أما نحن أبناء الدعاء، أبناء تلك الكلمات التي تبدأ بـ «اغفر لمن لا يملك إلا الدعاء»، فقد تربّينا على أن الدعاء ليس مجرد رجاءٍ يُرفع إلى السماء، بل هو يقينٌ بقدرة الله على تغيير الأقدار، وتبديل المصائر، وإعادة ترتيب العالم حين تختلط موازينه.

الدعاء يمنح القلب سكينةً لا تشبه شيئاً آخر، ويزيد في داخل الإنسان مخزوناً من الاطمئنان يجعله يقف أمام العواصف ثابتاً، كأنه يستند إلى قوةٍ غير مرئية. ففي ثقافتنا المروية من الطف، وفي ذاكرتنا المشبعة بمدرسة كربلاء، تعلّمنا أن نرفع رؤوسنا إلى السماء في أقسى اللحظات قائلين بثقة المؤمن:

«يا رب إن كان هذا يرضيك فخذ حتى ترضى».

لقد شاهد العالم بأسره تلك القوة التي تسكن قلوب أمهات الشيعة حين قدّمن أبناءهن شهداء في ميادين الوطن. لم يكن الأمر مجرّد صبرٍ عابر، بل كان تهذيباً عميقاً للمشاعر، جعل الأم تمسك قلبها بيد، وترفعه فخراً بالعقيدة باليد الأخرى. بين دمعة الأمومة واعتزاز الإيمان وقفت تلك الأمهات شاهداً على مدرسةٍ روحيةٍ لا تشبه غيرها.

وحين تعصف رياح الغم والخوف بنا، ونسأل أنفسنا: ماذا ينتظرنا بعد كل هذا الألم؟

يأتينا الجواب من صحراء كربلاء، من كلمات علي الأكبر (عليه السلام) التي تختصر فلسفة الشجاعة والإيمان:

«أولسنا على الحق؟ إذن لا نبالي أوقعنا على الموت أم وقع الموت علينا».

من هنا نفهم أن الدعاء في مدرسة أهل البيت (صلوات الله عليهم) لم يكن انعزالاً عن الواقع، بل كان جبهةً روحية تقف بوجه الظلم، وطريقاً لتثبيت الحق في القلوب. ولذلك ترك لنا الإمام زين العابدين (عليه السلام) كنزاً خالداً هو الصحيفة السجادية، تلك الأدعية التي لم تكن مجرد مناجاة، بل مدرسة كاملة في معرفة الله، وفي آداب الحديث معه، وفي شكر نعمه، سواء جاءت بثوب الفرح أو برداء الابتلاء، فكل ما يأتي من الله رحمة، وإن بدا في ظاهره قاسياً.

وهذا المعنى يتجلّى بوضوح في قوله تعالى:

﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ﴾.

فما يأتي من الله كله خير، حتى وإن مرَّ عبر دروبٍ وعرة، وما يصدر من الإنسان فهو ما يثقل العالم بالشرور.

ولذلك، مهما اشتدت العاصفة، يبقى في قلوبنا يقينٌ بأن كل هذه الآلام تقرّبنا خطوةً من الفرج الأكبر، ومن ظهور المولى الغائب الذي تنتظره القلوب منذ قرون. وبين انتظارٍ وأمل، يبقى دعاء الغريق حبل النجاة الذي أوصى به الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله)، وتبقى أمنياتنا تتجسد في تلك الكلمات التي نرفعها إلى السماء برجاءٍ صادق:

«واجعلني ممّن تنتصر به لدينك، ولا تستبدل به غيري».

فما أعظم أن يكون الإنسان جزءاً من مشروع السماء، وما أعمق خوفه أن يُقصَّر فيُستبدل به غيره. ولذلك يبقى دعاؤنا دائماً:

أن نبقى أهلاً للثقة الإلهية، وأن لا يكتب التاريخ أننا كنّا غائبين حين احتاج الحق إلى أنصار.

الحروب
الايمان
القيم
أزمات
الروح
الدعاء
شارك الموضوع :

اضافةتعليق

    تمت الاضافة بنجاح

    التعليقات

    آخر الإضافات للكاتب (ة):

    عقول في المصيدة: حين تُسرق الذات تحت لافتة المعرفة السطحية

    عقول في المصيدة: حين تُسرق الذات تحت لافتة المعرفة السطحية

    الأثنين 14 ايلول 2026/
    نظام الطيبات... عند النبي محمد

    نظام الطيبات... عند النبي محمد

    الأحد 06 ايلول 2026/
    سرقة في وضح التعامل!

    سرقة في وضح التعامل!

    الخميس 03 ايلول 2026/
    زهراء حسين جبار.. حين تتحول العتمة إلى نورٍ من علمٍ وقلم

    زهراء حسين جبار.. حين تتحول العتمة إلى نورٍ من علمٍ وقلم

    الأربعاء 10 حزيران 2026/
    دعاء عرفة.. محطة تصفية الذنوب

    دعاء عرفة.. محطة تصفية الذنوب

    الثلاثاء 26 آيار 2026/
    ميثاقًا غليظا.. لماذا بات خيطا ناعما

    ميثاقًا غليظا.. لماذا بات خيطا ناعما

    الثلاثاء 19 آيار 2026/

    آخر الاضافات

    جمعية المودة والازدهار للتنمية النسوية تواصل نشاطات نادي ريحانة للفتيات

    كيف يتحقق السلام الداخلي؟

    الذكاء الاصطناعي يرصد مؤشرات دقيقة داخل أورام الثدي للتنبؤ بتطور المرض

    هندسة الاختيار.. كيف تُوجَّه سلوكياتنا وقراراتنا اليومية دون أن نشعر؟

    ظاهرة المؤثرين: تحليل للدور الحقيقي والتأثير على المجتمع

    الكمأة.. ثروة طبيعية تجمع بين القيمة الغذائية والفخامة

    دمى تشبه أصحابها... حين تبقى الطفولة بين يديك

    الإدارة والقيادة الذاتية وأثرهما في حياة الفرد

    آخر القراءات

    مِحرابُ الشَّهادةِ وَيُتْمُ العَدالة: قراءةٌ في كَونِيَّةِ الرَّحيلِ العَلَويّ

    النشر : الثلاثاء 10 آذار 2026
    اخر قراءة : منذ 45 دقيقة

    الرؤية الاستراتيجية للتنمية الاجتماعية في "نهج البلاغة"

    النشر : الأربعاء 26 حزيران 2024
    اخر قراءة : منذ 45 دقيقة

    الاحتيال المالي يتفاقم.. هل تستطيع البنوك الصمود بمفردها؟

    النشر : الأحد 22 كانون الأول 2024
    اخر قراءة : منذ 45 دقيقة

    ظواهر.. الثقافة الحيوانية

    النشر : الثلاثاء 13 حزيران 2023
    اخر قراءة : منذ 45 دقيقة

    قوم عاد والحضارة المفقودة

    النشر : الأحد 02 حزيران 2024
    اخر قراءة : منذ 45 دقيقة

    طريقة الشحن وواق الشاشة.. تعرَّف على كيفية حماية هاتفك الذكي من التلف

    النشر : الثلاثاء 18 تموز 2017
    اخر قراءة : منذ 45 دقيقة

    الأكثر قراءة

    • اسبوع
    • شهر

    في رحاب اسم الله الهادي

    • 330 مشاهدات

    حِراسَةُ الحَواسّ وصَوْنُ الهَويَّة: قِراءَةٌ في وعيِ الانْفِتاح

    • 326 مشاهدات

    عقول في المصيدة: حين تُسرق الذات تحت لافتة المعرفة السطحية

    • 317 مشاهدات

    حين تتحول رياضة الأطفال من وسيلة للمتعة إلى مصدر للضغط والقلق

    • 314 مشاهدات

    طرق بسيطة لتخفيف حرقة المعدة في المنزل وتجنب تكرارها

    • 303 مشاهدات

    رحلة الحنين للماضي: حين تُعيدنا الخوارزميات إلى دفئ الأمس

    • 301 مشاهدات

    ميلادان… ومشروع واحد: حين يولد النور مرتين

    • 1136 مشاهدات

    حين يصبح التأخر تهمة

    • 1104 مشاهدات

    شهادة الإمام الحسن العسكري: فلسفة التضحية والمنهاج المكتمل لشباب الأمة

    • 1044 مشاهدات

    ستنضج فجأة وتتساءل: مَن هذا الذي لا يشبهك!

    • 987 مشاهدات

    فجر الصادق: حين يتكلم النور ويكتمل العقل

    • 750 مشاهدات

    ولادة مَنْ أضاءَ الكونَ نوراً: نبيّ الرحمةِ والإنسانية

    • 656 مشاهدات

    facebook

    Tweets
    صفحة للمرآة العربية تهتم بالفكر والثقافة والصحة والعلم

    الأبواب

    • اسلاميات
    • حقوق
    • علاقات زوجية
    • تطوير
    • ثقافة
    • اعلام
    • منوعات
    • صحة وعلوم
    • تربية
    • خواطر

    اهم المواضيع

    جمعية المودة والازدهار للتنمية النسوية تواصل نشاطات نادي ريحانة للفتيات
    • منذ 21 ساعة
    كيف يتحقق السلام الداخلي؟
    • منذ 21 ساعة
    الذكاء الاصطناعي يرصد مؤشرات دقيقة داخل أورام الثدي للتنبؤ بتطور المرض
    • منذ 21 ساعة
    هندسة الاختيار.. كيف تُوجَّه سلوكياتنا وقراراتنا اليومية دون أن نشعر؟
    • الأربعاء 16 ايلول 2026

    0

    المشاهدات

    0

    المواضيع

    اخر الاضافات
    راسلونا
    Copyrights © 1999 All Rights Reserved by annabaa @ 2026
    2026 @ بشرى حياة