مع كلِّ موجةٍ من الصراعات والحروب، ومع اشتداد الخطر الذي يطرق أبواب المدن والبيوت والقلوب، كنّا نلوذ بعبارةٍ تشبه التميمة الروحية التي تزرع الطمأنينة في صدورنا:
«إنّي أريد أماناً يا بن فاطمة مستمسكاً بيدي من طارق الزمن».
كانت أمي تكتبها على جدران البيت كما لو أنها ترسم حدود الأمان حولنا، فنشعر أن ذلك الجدار لم يعد طيناً أو حجراً، بل صار ظلَّ عباءةٍ تمتد من التاريخ لتغمرنا بالحماية. كنا نقرأها قبل النوم فنرقد بطمأنينةٍ عجيبة، كأن الأرواح الصغيرة التي تسكن صدور الأطفال قد وجدت سندها الخفي، وكأن الخوف الذي كان يتسلل من نوافذ الأخبار وأصوات الانفجارات قد انكسر عند عتبة تلك الكلمات.
منذ ذلك الوقت أدركتُ أن الدين لم يكن يوماً مجرد طقوسٍ تُؤدَّى، بل هو الحبل الذي يتشبث به الإنسان حين تضيق الأرض وتثقل الأيام. فالفطرة التي خلق الله (عزّ وجلّ) الإنسان عليها لا تستطيع أن تنكر حاجتها إلى السماء، حتى وإن حاولت العقول أن تتجاهلها. فكم من إنسانٍ سار في دروب الشك، أو دفعته الحياة إلى مساحاتٍ بعيدة عن الإيمان، لكنه حين يشتد الخوف أو تضيق به السبل يكتشف أن في داخله نداءً خفياً يبحث عن إلهٍ يلوذ به.
أما نحن أبناء الدعاء، أبناء تلك الكلمات التي تبدأ بـ «اغفر لمن لا يملك إلا الدعاء»، فقد تربّينا على أن الدعاء ليس مجرد رجاءٍ يُرفع إلى السماء، بل هو يقينٌ بقدرة الله على تغيير الأقدار، وتبديل المصائر، وإعادة ترتيب العالم حين تختلط موازينه.
الدعاء يمنح القلب سكينةً لا تشبه شيئاً آخر، ويزيد في داخل الإنسان مخزوناً من الاطمئنان يجعله يقف أمام العواصف ثابتاً، كأنه يستند إلى قوةٍ غير مرئية. ففي ثقافتنا المروية من الطف، وفي ذاكرتنا المشبعة بمدرسة كربلاء، تعلّمنا أن نرفع رؤوسنا إلى السماء في أقسى اللحظات قائلين بثقة المؤمن:
«يا رب إن كان هذا يرضيك فخذ حتى ترضى».
لقد شاهد العالم بأسره تلك القوة التي تسكن قلوب أمهات الشيعة حين قدّمن أبناءهن شهداء في ميادين الوطن. لم يكن الأمر مجرّد صبرٍ عابر، بل كان تهذيباً عميقاً للمشاعر، جعل الأم تمسك قلبها بيد، وترفعه فخراً بالعقيدة باليد الأخرى. بين دمعة الأمومة واعتزاز الإيمان وقفت تلك الأمهات شاهداً على مدرسةٍ روحيةٍ لا تشبه غيرها.
وحين تعصف رياح الغم والخوف بنا، ونسأل أنفسنا: ماذا ينتظرنا بعد كل هذا الألم؟
يأتينا الجواب من صحراء كربلاء، من كلمات علي الأكبر (عليه السلام) التي تختصر فلسفة الشجاعة والإيمان:
«أولسنا على الحق؟ إذن لا نبالي أوقعنا على الموت أم وقع الموت علينا».
من هنا نفهم أن الدعاء في مدرسة أهل البيت (صلوات الله عليهم) لم يكن انعزالاً عن الواقع، بل كان جبهةً روحية تقف بوجه الظلم، وطريقاً لتثبيت الحق في القلوب. ولذلك ترك لنا الإمام زين العابدين (عليه السلام) كنزاً خالداً هو الصحيفة السجادية، تلك الأدعية التي لم تكن مجرد مناجاة، بل مدرسة كاملة في معرفة الله، وفي آداب الحديث معه، وفي شكر نعمه، سواء جاءت بثوب الفرح أو برداء الابتلاء، فكل ما يأتي من الله رحمة، وإن بدا في ظاهره قاسياً.
وهذا المعنى يتجلّى بوضوح في قوله تعالى:
﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ﴾.
فما يأتي من الله كله خير، حتى وإن مرَّ عبر دروبٍ وعرة، وما يصدر من الإنسان فهو ما يثقل العالم بالشرور.
ولذلك، مهما اشتدت العاصفة، يبقى في قلوبنا يقينٌ بأن كل هذه الآلام تقرّبنا خطوةً من الفرج الأكبر، ومن ظهور المولى الغائب الذي تنتظره القلوب منذ قرون. وبين انتظارٍ وأمل، يبقى دعاء الغريق حبل النجاة الذي أوصى به الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله)، وتبقى أمنياتنا تتجسد في تلك الكلمات التي نرفعها إلى السماء برجاءٍ صادق:
«واجعلني ممّن تنتصر به لدينك، ولا تستبدل به غيري».
فما أعظم أن يكون الإنسان جزءاً من مشروع السماء، وما أعمق خوفه أن يُقصَّر فيُستبدل به غيره. ولذلك يبقى دعاؤنا دائماً:
أن نبقى أهلاً للثقة الإلهية، وأن لا يكتب التاريخ أننا كنّا غائبين حين احتاج الحق إلى أنصار.








اضافةتعليق
التعليقات