لعل من المصاديق التي تنطبق على الإنسان هي قوله تعالى: (وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ) وهذه الحقيقة التي مع الأسف هي واقعنا الذي من الضروري أن نغيره ونلجأ إلى الله تعالى في السرّاء والضرّاء.
ففي مشكلة عرضت لي كنت أقرأ دعاء الإمام زين العابدين في طلب الحاجة وتأملت ما فيه من تربية روحية وأخلاقية للفرد ففي أدعية الإمام زين العابدين (عليه السلام)، لا نقف عند حدود الرجاء، بل ندخل مدرسةً من نور تُهذّب الانسان من الداخل وتعيد ترتيبه وتعلّمه كيف يرى نفسه وكيف يرى ربّه، أولا أن يكون مؤمنا عارفا أنّ كل الأبواب سواه مؤقتة، وأن الطمأنينة الحقيقية لا تُمنح بل تُصنع بالتعبئة الداخلية فعندما يقول الإمام:
“اللَّهُمَّ يَا مُنْتَهَى مَطْلَبِ الْحَاجَاتِ، وَيَا مَنْ عِنْدَه نَيْلُ الطَّلِبَاتِ…”
فهو يفتتح دعاءه بتوجيه البوصلة نحو الله وحده، هذا الاستهلال لا يعلّمنا فقط كيف ندعو، بل كيف نعيد ترتيب قلوبنا، بحيث لا نرى في الوجود مقصدًا حقيقيًا سواه، وهو تأسيس أخلاقي يجعل الإنسان متحرّرًا من التعلّق المفرط بالمخلوقين، ولا يتخذ غير الله وسيلة وكذلك يريد الله عز وجل أن نعبده ونتوجه إليه وحده، وقصة النبي يوسف شاهدة على هذا المصداق حين التجأ إلى غيره أطال الله عز وجل مدة حبسه لا ليعاقبه بل ليعيد له اتجاهاته ويريه ضعف المخلوق أمام قوة الخالق.
“وَيَا مَنْ لا يَبِيعُ نِعَمَهُ بِالأثْمَانِ، وَلا يُكَدِّرُ عَطَايَاهُ بِالامْتِنَانِ…”
هنا يصف الإمام طبيعة العطاء الإلهي، الذي لا يقابَل بثمن ولا يُشوَّه بالمنّ، وفي هذا إشارة تربوية إلى أن الكرم الحقيقي هو الذي يُعطى خالصًا دون إذلال، وكأن الدعاء يضع للإنسان نموذجًا أخلاقيًا يُحتذى في عطائه للآخرين.
“وَيَا مَنْ يُسْتَغْنَى بِهِ وَلا يُسْتَغْنَى عَنْهُ…”
هذه العبارة أراها ذروة التوحيد العملي؛ فالله هو مصدر الغنى، بينما يظلّ الإنسان محتاجًا إليه في كل حال، هذا الإدراك يزرع في النفس عزّةً بلا تكبّر، ويمنحها شعورًا بالأمان دون أن تنفصل عن التواضع، ثم يسترسل الإمام قائلا:
“فَمَنْ حَاوَلَ سَدَّ خَلَّتِهِ مِنْ عِنْدِكَ… فَقَدْ طَلَبَ حَاجَتَهُ فِي مَظَانِّهَا…”
أخلاقيًا، هذا يعكس وعيًا بضرورة توجيه الجهد نحو المصدر الحقيقي، بدل التشتت في الأسباب المحدودة.
ويؤكدها في عبارة
“وَمَنْ تَوَجَّهَ بِحَاجَتِهِ إِلَى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِكَ… فَقَدْ تَعَرَّضَ لِلْحِرْمَانِ…”
فهذا لا يعني قطع العلاقات مع الناس، بل قطع الاعتماد القلبي عليهم كبديل عن الله عز وجل فالإمام يحذّر من أن يتحوّل الوسيط إلى غاية، لأن ذلك يُفقد الإنسان توازنه ويعرّضه للخذلان.
“اللَّهُمَّ وَلِي إِلَيْكَ حَاجَةٌ قَدْ قَصَّرَ عَنْهَا جُهْدِي… وَسَوَّلَتْ لِي نَفْسِي…”
هنا رسالة الإمام لنا حين يعترف بضعفه، وبميل النفس إلى طرق أبواب غير صحيحة، هذا الاعتراف يرسّخ قيمة المراجعة الذاتية، ويعلّم أن الخطأ ليس عيبًا بحد ذاته، بل العيب في الاستمرار فيه دون وعي.
“ثُمَّ انْتَبَهْتُ بِتَذْكِيرِكَ لِي… وَقُلْتُ: كَيْفَ يَسْأَلُ مُحْتَاجٌ مُحْتَاجًا؟”
تمثّل هذه اللحظة يقظةً ينتقل فيها الإنسان من الغفلة إلى الفهم، والسؤال المطروح ليس استفهامًا بقدر ما هو كشف لخلل في التفكير، يعيد الإنسان إلى جادّة الصواب.
“فَقَصَدْتُكَ يَا إِلَهِي بِالرَّغْبَةِ، وَأَوْفَدْتُ عَلَيْكَ رَجَائِي…”
بعد الوعي، يأتي التحوّل العملي، حيث يُعيد الإنسان توجيه قلبه نحو الله بثقة واطمئنان، هذه الثقة ليست مجرد شعور، بل هي أساس أخلاقي يحمي الإنسان من القلق والتشتت.
“وَعَلِمْتُ أَنَّ كَثِيرَ مَا أَسْأَلُكَ يَسِيرٌ فِي وُجْدِكَ…”
تتحوّل نظرة الإنسان إلى حاجاته؛ فما يراه عظيمًا يصبح يسيرًا أمام قدرة الله عز وجل هذا الفهم يخفّف من وطأة ثقل الهم ويزرع الطمأنينة بدل الخوف.
“اللَّهُمَّ فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ، وَلا تَحْمِلْنِي بِعَدْلِكَ عَلَى الاسْتِحْقَاقِ…”
يبلغ الدعاء ذروة التوازن بين الرجاء والخوف، إذ لا يعتمد الإنسان على عمله فيغترّ، ولا ييأس من رحمة الله. إنها أخلاق العبد الذي يعرف قدر نفسه ويأمل بفضل ربّه.
“وَكُنْ لِدُعَائِي مُجِيبًا… وَلا تَقْطَعْ رَجَائِي عَنْكَ…”
في هذه الفقرة يتجلّى عمق العلاقة مع الله، علاقة قائمة على القرب والرجاء، لا على الجفاء والخوف فقط، وهي دعوة لدوام الصلة وعدم الانقطاع.
“وَلا تُوَجِّهْنِي فِي حَاجَتِي إِلَى سِوَاكَ…”
هنا تتكرّس الفكرة المركزية للدعاء: أن يبقى القلب متوجّهًا إلى الله وحده، حتى في ظلّ التعامل مع الأسباب، فيحفظ الإنسان توازنه وكرامته.
“وَاجْعَلْ ذَلِكَ عَوْنًا لِي وَسَبَبًا لِنَجَاحِ طَلِبَتِي…”
ينتهي الدعاء بربط الاستجابة بالعون الإلهي، وكأن النجاح الحقيقي ليس في نيل الحاجة فقط، بل في التوفيق الذي يصاحبها.
“فَضْلُكَ آنَسَنِي، وَإِحْسَانُكَ دَلَّنِي…”
العلاقة مع الله ليست قائمة على الطلب وحده، بل على الأنس والاعتراف بالفضل، وهو ما يعبّر عن أرقى صور الأخلاق في الوعي الإيماني.
بهذا التدرّج، يتحوّل الدعاء إلى مدرسة أخلاقية متكاملة، تُعلّم الإنسان كيف يطلب، وكيف يفكّر، وكيف يراجع نفسه، وكيف يعيش بكرامة وثقة ورحمة.








اضافةتعليق
التعليقات