قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم:{وكذلك جعلناكُمْ أمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شهيدا}.
إن الإسلام هو دين الوسطية، بمعنى أن هناك حقاً إذا لم يصل إليه الإنسان أو تجاوزه فيعد هذا إما تفريط أو إفراط، فالحق هو الحد الوسط بين الإفراط والتفريط، مثال ذلك: إن جسم الإنسان يحتاج للطعام بمقدار معين من السعرات الحرارية والبروتين وغير ذلك، فإذا تناول الإنسان طعاماً أكثر من حاجة جسمه فيعد هذا إفراطاً، ويتحول الطعام الزائد إلى ضرر على جسمه، وإذا أكل أقل من حاجة جسمه فسيصاب بالضعف والنحول، وقد لا يتمكن من أداء واجباته العملية أو سواها.
إذن فمراعاة حاجة جسم الإنسان عند هذا الحد هو الحالة الوسطية، وهي تختلف من إنسان لآخر، فالعامل يحتاج إلى طعام أكثر من غيره لأن جسمه يحرق سعرات أكثر، بينما الآخر قد يكون جهده فكرياً وليس بدنياً لذا ستكون حاجة جسمه للطعام أقل، كذلك الحال بين الشخص الضخم الجسم والنحيف.
إذن، فالاحتياجات تختلف في هذا المجال، وينطبق هذا على الرذائل والفضائل الأخلاقية، حيث تكون الفضيلة هي الحد الوسط بينهما، فإذا تجاوزت الحد أصبحت رذيلة، مثلاً: تعد الشجاعة فضيلة، بمعنى أن يقدم الإنسان ولا يخاف ولا يهاب شيئاً، ضمن حدود الحكمة، لكنها تتحول إلى تهور في حالة غياب الحكمة فتصبح رذيلة، وعكسه الجبن وإذا استخدم البطل في ساحة المعركة الفنون الحربية، والتزم الاحتياط الكافي فهو شجاع، لكن إذا لم يراعها واقتحم المعركة وقتل فهذا نوع من التهور لأنه عرض نفسه للقتل من دون مبرر، ولو أن شخصاً ألقى بجسده من مرتفع شاهق لأنه لا يخاف أن تتكسر عظامه فهذا تهور لأنه أفرط بسبب عدم وجود الحكمة في عمله؛ لذا تقول الآية الشريفة: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطُهَا كُلَّ الْبَسْطِ}.
فينبغي على الإنسان أن يكون كريماً ولكن بحكمة، وحينما يستهلك أمواله كلها ثم يحتاج مالاً فيذهب في الليل ويسأل الناس الصدقة، فهذا النوع من السلوك رذيلة، كما أن الرذيلة عندما يبخل بأمواله ويمنع العطاء إذن على الإنسان الاعتدال والحكمة في صرف الأموال، مع مراعاة حقوق الله سبحانه وتعالى من الخمس والزكاة وغير ذلك، أي: مراعاة الحقوق الواجبة والأمور المستحبة، مثل الصدقة وحق الحصاد وغير ذلك، فلا الزيادة لدرجة الإفراط مقبولة، ولا النقصان.
لقد جعل الله سبحانه وتعالى الأمة الإسلامية هي الميزان لأنها الأمة الوسط، والوسطية هي الحق، أي الحد الوسط في كل شيء، بمعنى لا إفراط ولا تفريط، ثم تقاس الأمم الأخرى بهذه الأمة، والمعني بهذه الآية أئمة أهل البيت أي: وكذلك جعلناكم أيها الأئمة أمة، أي مجموعة، وسميت أمة لأنها تؤم، أي: يقصدها الآخرون.
وأما سائر المسلمين فإن التزموا بما شرعه الله سبحانه وتعالى فسيكونون الميزان الذي يُقاس به الآخرون، أما إذا لم يلتزموا بها فسوف لا يكونون كذلك، وأما أئمة أهل البيت فلعصمتهم ولاصطفاء الله سبحانه وتعالى لهم فقد صاروا ضمن الدائرة التي أراد لهم تعالى أن يسيروا ضمنها؛ فكانوا هم الميزان في جميع أعمالهم، سواء الأعمال العامة أم الخاصة.
ورسول الله في مقدمتهم لأن الآية الكريمة تقول: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا}، و في رواية حمران عنه: إنما أنزل الله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْناكُم أُمَّةً وَسَطًا) يعني عدلاً و(لتكونُوا شُهَدَاء عَلى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شهيدا) قال: ولا يكون شهداء على الناس إلا الأئمة والرسل، فأما الأمة فإنه ير جائز أن يستشهدها الله تعالى على الناس، وفيهم من لا تجوز شهادته في الدنيا.








اضافةتعليق
التعليقات