قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «حُسن الخُلق ذهب بخير الدنيا والآخرة».
إن الإنسان، في أي بلد كان وفي أي عمل، فهو بين الخير والشر؛ ففيه دافع إلى الخير وهو العقل، ودافع نحو الشر وهي النفس الأمّارة بالسوء. فإذا كان المرء حسن الخلق، فإن دافع الخير عنده يغلب دافع الشر، وسيكون نصيبه خير الدنيا والآخرة. بخلاف سيّئ الخلق، فهو لا دنيا له ولا آخرة.
أما كيف يكون الإنسان حسن الخلق، فهذا يرجع إلى كلمة واحدة، يمكن لكل واحدة منكن أن تبدأ بالعمل بها من هذه اللحظة ومن هذا المكان إلى آخر حياتها، وهي ما ورد في حديث لمولانا الإمام الرضا (سلام الله عليه)، حيث قال: «إنما هي عَزْمة»، والعَزْمة (بفتح العين) هي صيغة مبالغة، ومعناها: العزم الأكيد. فأي واحدة منكن عزمت عزماً أكيداً على أن تكون ذات خُلق حسن، فإنها تُوفّق لذلك.
وحسن الخلق هو أن يكون الإنسان صادقاً في الكلام، صابراً على المكاره، يلقى الناس دائماً ببِشر الوجه وطلاقة، ويحلم عمّن يسيء إليه. ونقلاً لرواية عن الإمام الباقر (صلوات الله وسلامه عليه)، وهو حجة الله على الخلق، والإمام المعصوم الذي بيده مسير الكون كله بإذن الله عز وجل، فقد اعترضه شخص عادي وقال له – حاشاه –: أنت بَقَراً، فأجابه (سلام الله عليه): «بل أنا باقر».
هذا هو الحِلم؛ فإذا انتقصكِ شخص ما، فعليكِ أن تحلمي لتحصلي على خير الدنيا وخير الآخرة. وهذا بحاجة إلى العزم، وهذه سنة الحياة. فطالبة العلم إذا عزمت على أن تكون حسنة الخلق فستصبح عالمة، والزوجة إذا عزمت على ذلك ستكون محبوبة عند زوجها. فإن حسن الخلق محبوب عند الله تعالى وعند الناس كافة.
ومن الخطأ تصور ردّ السيئة بالسيئة، وإن كان ذلك في نفسه جائزاً ضمن الحدود الشرعية، كما في قوله تعالى:
(فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ).
لكن من كانت منكن تريد التوفيق وخير الدنيا والآخرة، والمحبة عند الله عز وجل وعند الناس، فلتردّ السيئة بالإحسان والحلم. فقد ورد في أحوال النبي (صلى الله عليه وآله) أن إحدى زوجاته اتهمته تهمة شديدة في قضية ما، فلم يقابلها بالمثل، ولم يجبها، بل اكتفى بنفي التهمة عنه فقط. علماً أن هذه الرواية نُقلت عن أحد الأئمة (سلام الله عليهم)، ولم ينقلها غيرهم من سائر الناس، لأن النبي (صلى الله عليه وآله) لم ينقلها لأحد. فينبغي تعلّم هذه الفضائل وهذا الخلق الحسن من رسول الإسلام (صلوات الله وسلامه عليه).
والقرآن الحكيم يقول:
(لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ).
فلقد رأيت الكثير ممن اتصفوا بحسن الخلق من العلماء وغيرهم من سائر الناس، كانوا موفقين في حياتهم، محبوبين عند الناس، ولم يلقوا صعوبة في حياتهم. فإن أي فرد من أفراد الأسرة إذا كان حسن الخلق، فإنه سيكون محبوباً عند الجميع، وسيقبل الله عز وجل أعماله، وإذا مات فسيترحم عليه الناس. أما صاحب الخلق السيئ، فإنه سيكون على العكس من ذلك تماماً.
لذا ينبغي لكنّ أن تعزمن على التحلي بالأخلاق الحسنة، لتنلن خير الدنيا وخير الآخرة.
في الختام، يتضح لنا أن حسن الخلق ليس مجرد زينة يتجمل بها المرء، بل هو منهج حياة واستثمار رابح مع الخالق والخلق. وإن الفارق بين حياة ملؤها السكينة والتوفيق، وحياة شقية يسودها التوتر، يكمن في تلك «العَزْمة» الصادقة التي أشار إليها الإمام الرضا (عليه السلام).
فإن التحديات التي تواجهنا في تعاملاتنا اليومية، سواء في طلب العلم، أو في كنف الأسرة، أو في المجتمع، هي في الحقيقة اختبارات لمعدننا الأخلاقي. وحين نختار الحِلم عند الغضب، والبِشر عند اللقاء، والإحسان في مقابل الإساءة، فنحن لا نحسن إلى الآخرين فحسب، بل نبني لأنفسنا مقاماً محموداً عند الله، ومحبةً راسخة في قلوب الناس.
وتذكّري دائماً: أن شرف المؤمن وسرّ توفيقه في الدارين يكمن في اقتفائه أثر النبي الأكرم وآل بيته الأطهار (صلوات الله عليهم)، الذين جعلوا من الصبر واللين سلاحاً فتحوا به القلوب قبل العقول.








اضافةتعليق
التعليقات