لقد رأينا علياً فيما مضى صبياً يدخل الإسلام ثاني اثنين، وقد رأيناه يتربى في منزل الوحي وينشأ في ظلال الإيمان، ورأيناه يشهد عذاب طائفة من المستضعفين فيتلظى لهم حرقاً، ورأيناه مصاحباً للنبي في جولته للطائف يعرض الإسلام على القبائل فيرد، ورأيناه فدائياً يسرع إلى فراش رسول الله ملتحفاً ببرده الحضرمي، يقيه بنفسه من طواغيت قريش، ورأيناه أخاً لرسول الله في مكة والمدينة، ورأيناه قائداً عسكرياً فذاً في مشاهد النبي كلها، ورأيناه نائباً عنه في تبليغ براءة لأهل مكة وإعلان شرائع الإسلام، ورأيناه مصلحاً وقاضياً من قبله في اليمن، ورأيناه صهراً للنبي وأباً لذريته الطاهرة ورأيناه نفسه في المباهلة ووزيره بمنزلة هارون من موسى.
رأينا هذا وسواه، بل ذكرنا هذا وفاتنا سواه، وهو يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، وعلي أقضاكم و«أنا مدينة العلم وعلي بابها وعلي مع الحق والحق مع علي» و«اللهم أدر الحق معه حيثما دار»، سمعنا كل هذا غيضاً من فيض إطراء النبي له وثنائه عليه، ونموذجاً من نماذج إعداده إعداداً رسالياً خاصاً، وشاهدنا إلى جنب ذلك كله ملازمته للنبي ملازمة الظل للشاخص، واختصاصه به على انفراد في أغلب لياليه وأيامه وتفرده بمناجاته وحده في شتى الظروف، واتحاد المنزل ما بين الديار، ولمسنا صلة الرحم الشديدة بين الرجلين وأواصر القرب ما بينهما لا يكاد يفترق أحدهما عن الآخر ولا يمل أحدهما حديث الآخر، حتى كان علي منه وهو من علي لم يكن كل هذا امراً اعتباطياً، ولا مناخاً اعتيادياً، وإنما للأمر ما بعده النبي، حتى إذا كانت حجة الوداع.
وإذا بالوحي يفاجئ النبي: (يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ)، ما هذا البلاغ الخطير الذي يراد من النبي، لقد رأينا النبي في الأحكام صغيرها وكبيرها يبلغها أولاً بأول لا يخشى في ذلك لومة لائم، وينزلها بمنزلها المحدد لا يحيد عن ذلك قيد أنملة، فما هذا التبليغ الجديد، أنه القيادة في نيابته لدى التحاقه بالرفيق الأعلى، والإستقرار بمقامه في إدارة شؤون الدين والدنيا، كان نبي الله يلمح تارة، ويصرح أخرى بإمامة علي يؤمره على الناس في القيادة، ولا يؤمر عليه أحداً، ينوه بفضله ويعلي من شأنه، يخصه بالمنح العليا، علماً وتفقهاً ومنزلة، ويشاركه بالمهمات الصعبة فيجده أهلاً لحملها.
وهو الذي يأخذ بقسط كبير من وقته الثمين في إفاضات يُعلم قليلها، ويُجهل كثيرها، يُعلن عن بعضها، ويكتم بعضها الآخر، ولكن النبي قد يبدو مشفقاً كل الاشفاق عن أن يقول القول الفصل، والوحي يلجئه إلى الإعلان، ويضمن له السلامة مما يخشاه، والتصريح منه إثر التصريح بأفضلية علي وأهليته من قبل النبي يلاقي التأويل والتحليل من قبل علية القوم، ويقابل بالإيهام والإبهام من جملة المهاجرين يلتمسون بذلك حداثة السن حيناً، وحب بني عبد المطلب حيناً آخر، لتضييعه عن موضعه، وتمييعه عند مؤداه، وكان النبي في سنة حجة الوداع، يؤكد السنن، ويثبت الفروض ويحيي الأحكام، وكان يلوح بل يصرح في نعي نفسه: يوشك أن ادعى فأجيب، أو يقول: قد حان مني خفوق، وتارة لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا، وأخرى: إن جبرائيل كان يعرض علي القرآن في كل عام مرة، وفي هذا العام عرضه علي مرتين، وهكذا.
ونزلت سورة النصر فسماها المسلمون سورة التوديع، لأن المسلمين ودعوا نبيهم لما فيها من إيحاء بتكامل رسالته، وإنذار بانتهاء مدته، لما أمره فيها الله من التسبيح والاستغفار، وكان بين هذا كثير الخلوة بعلي طويل المناجاة معه، شديد الاحتراس عليه، يطلق الكلمة إثر الكلمة في ترشيحه فتارة هو الوزير، وأخرى هو الوصي، وسواهما: خليفتي من بعدي، والناس يرصدون ذلك بمسمع وبمشهد فيسيغه الأنصار دون المهاجرين، ويتقبله المستضعفون دون الزعماء، أو فقل يتقبله أكثر الأنصار، ويرفضه أكثر المهاجرين.
وقد يشتد النزاع في ذلك، وقد يتحول إلى صراع مرير، وقد يلجأ هؤلاء وهؤلاء إلى النبي ليفسر لهم ما قال، فيقتنع من يقتنع عن رضا، ويأبى من يأبى عن سخط، والأمور بمقربة من النبي، وهو يرى بوادر الفرقة تتطلع، وسحب الفتنة تكاد تنقض، ووجد بعض القلوب تستوحش لهذا الحديث، وإلى غدير خم في قيظ لافح، وحرارة محرقة، وهجير ملتهب، يتوقف الركب النبوي في المنطقة التي سيفترق فيها الحاج، ويتجه كل إلى قصده، وينحو كل منحاه.
والموكب بعد في آلافه المؤلفة من المهاجرين والأنصار ومسلمة الفتح، وبقية المسلمين من هنا وهناك، وينصب لنبي الله منبر من أحداج الإبل عند الظهيرة، ويمتطي النبي صهوة المنبر، وهو يقول: إني دعيت ويوشك أن أجيب، وقد حان مني خفوق من بين أظهركم، وإني مخلف فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا من بعدي أبداً: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، فإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض.
ثم نادى بأعلى صوته: ألست أولى بكم منكم بأنفسكم؟ قالوا اللهم بلى.
فقال لهم: فمن كنت مولاه فهذا علي مولاه اللهم والي من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله .








اضافةتعليق
التعليقات