خلف كواليس التسول؛ الصدقة السهلة هي الحل أم المشكلة؟
في مجتمعاتنا الماضية والحالية، دائماً ما وُجدت طبقات مجتمعية مختلفة تبدأ من العبيد حتى الملوك، فيختلف احترام وتقدير كل فرد حسب مكانته وسمعته ومهنته؛ اعتماداً على مصالح شخصية واجتماعية ودينية. وفي وقتنا هذا نرى أن ظاهرة "التسول" موجودة بكثرة، وسنتناول أسبابها ومسبباتها وعلاجها في مقالنا المهم هذا.
إن قضية التسول معقدة ولا يمكن حصرها في سبب واحد فقط؛ فهي نتاج تداخل عدة عوامل تختلف من شخص لآخر ومن مجتمع لآخر. يمكننا تقسيم هذه الأسباب إلى محاور أساسية:
١- العوامل الهيكلية (الدولة والحكومة):
حيث إنها تلعب دوراً كبيراً في خلق بيئة تسمح بانتشار الفقر أو الحد منه، وذلك عبر البطالة ونقص فرص العمل، مما يدفع البعض إلى الشارع كوسيلة أخيرة للبقاء.
٢- غياب الأمان الاجتماعي:
عدم توفر رواتب أو إعانات كافية يجعل الفرد دون معيل. وأيضاً جودة التعليم وضعف النظام التعليمي يقللان من مهارات الأفراد وقدرتهم على المنافسة.
٣- الظروف الشخصية والاجتماعية:
أحياناً تكون الأسباب نابعة من محيط الفرد، مثل التفكك الأسري أو الإدمان، أو وجود "عصابات منظّمة" تستغل حاجة الناس؛ لأن العائد المادي منها قد يفوق الراتب الوظيفي العادي.
٤- العاهات الجسدية والاضطرابات العقلية:
وهذا الجانب يمثل الفئة الأكثر احتياجاً وتعاطفاً، مثل ذوي الإعاقة أو الذين يعانون من اضطرابات عقلية تجعلهم غير قادرين على الالتزام بعمل مستقر.
طرق العلاج والتجارب العالمية
أما في طرق علاجها، فيوجد ما تعتمده الدول المتقدمة (مثل ألمانيا وكندا وفنلندا) من استراتيجيات تجمع بين الدعم الإنساني والحزم القانوني، بهدف تحويل الفرد من "متسول" إلى "عضو منتج" أو "مكفول بكرامة"، وذلك عبر توفير السكن والمعيشة والتأمين الصحي والتأهيل المهني لدمجهم في المجتمع من جديد.
وكما أظن، فإن تطبيق "قسائم الطعام" أو البضاعة البسيطة بدلاً من المال النقدي قد ينجح في مجتمعاتنا العربية للتقليل من التسول المنظم؛ لأنك حين تعطي للمحتاج مجموعة من "المحارم" أو "الماء" لبيعها، فهذا يلامس جوهر المشكلة في "اقتصاد الشارع".
إن فكرتي تدور حول تدرج المتسول من مستهلك للمساعدة إلى بائع صغير (Micro-Empowerment).
لماذا تُعد فكرتي (استبدال المال ببضاعة بسيطة) خطوة ذكية؟
كسر حلقة العصابات: العصابات تبحث عن السيولة السريعة، وتوزيع السلع يجعل استغلال المتسولين أقل ربحية لهم.
غرس عقلية العمل: يتعلم الفرد لغة السوق، ويستعيد كرامته حين يتحول من "عالة" إلى "كاسب" يبيع خدمة.
توجيه العاطفة نحو المساندة: المتبرع هنا يمارس الدعم الاقتصادي لا الشفقة فقط، مما يشجع الآخرين على التقليد بدلاً من التنافس على إظهار البؤس.
هل يمكن للدولة أن تدعم هذا التوجه؟
نعم، من خلال تحويل "بطاقات التموين" أو المساعدات إلى رأس مال صغير؛ بتمليك الفقير وسيلة إنتاج بسيطة (عربة صغيرة أو بضاعة أولية) مع تدريب بسيط.
وهنا أرى شخصياً أننا قد نواجه مشكلة، وهي أن الناس يفضلون دفع المال فوراً لأنه أسهل، ولكن لو فهمنا هذا الجوهر لفضلنا مساندة الفقير بما يساعده على العمل بدلاً من التذلل، وهنا يكمن تمثيل ديني في التقليل مما حرمه الله تعالى في قوله:
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾.
اسوداد الوجه هنا علامة الذل والمهانة يوم القيامة بسبب المعاصي، فضلاً عن قلة شأن المتسول ومسّ كرامته في الدنيا. وعندما نغير وسيلة الدعم من (مال مجاني) إلى (أدوات عمل)، نحن نقوم بـ"إحياء الكرامة". فبدلاً من "الإحسان المنقوص" الذي يسكّن الجوع للحظات، نحن نعالج المرض من جذوره. فالعمل، حتى لو كان بيع علبة ماء، يبني في النفس شعوراً بالاستحقاق والعزة.
في ختام ما بحثتُ عنه ودونتُه، أؤمن أننا إذا ساعدنا الفقير ليصبح "تاجراً صغيراً"، فنحن لا نطعمه ليوم واحد فحسب، بل نحمي وجهه من سواد الآخرة، ونحمي كرامته في الدنيا، ونقطع الطريق على العصابات التي تتاجر بآلام الناس. إن التغيير يبدأ بخطوة، وبوعينا كجيل جديد يرفض الحلول السهلة، يمكننا أن نبني مجتمعاً يفتخر كل فرد فيه بأنه يكدح ويعمل، لنترك أثراً حقيقياً يغير حياة الآخرين للأفضل، ويجعل من الكرامة عنواناً لكل إنسان.






اضافةتعليق
التعليقات